لقد انشغل العالم في البداية بمشاهد آلاف المهاجرين الذين حاولوا عبور الحدود، غير أن النقاش سرعان ما تجاوز الجانب الأمني والإنساني، ليصل إلى أصل المشكلة: من يملك السيادة على هذه الأرض؟
ولأول مرة منذ سنوات، عاد ملف الثغور المغربية المحتلة إلى التداول داخل مراكز التفكير، والمنابر الإعلامية، والأوساط السياسية الدولية. ولم يعد الحديث مقتصرًا على المغرب، بل امتد إلى الولايات المتحدة، حيث دعا النائب الأمريكي ماريو دياز-بالارت (Mario Diaz-Balart) إلى ضرورة معالجة هذا الملف في إطار رؤية مستقبلية للعلاقات المغربية الإسبانية. كما استحضر تقرير صادر عن لجنة بمجلس النواب الأمريكي وصف سبتة ومليلية بأنهما “أراضٍ مغربية تحت الإدارة الإسبانية”، وهو توصيف أعاد النقاش إلى جذوره التاريخية والقانونية.
بما أن النزاع القائم الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما يرافقه من نقاش حول إغلاق مضيق هرمز والتهديدات التي طالت الملاحة الدولية في باب المندب، أعاد إبراز الأهمية الاستراتيجية للمضايق البحرية العالمية، فمن المرجح أن يتزايد مستقبلًا النقاش الدولي حول تأمين وإدارة هذه الممرات الاستراتيجية الحيوية، بما فيها مضيق جبل طارق، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هذا المنطلق، يطرح بعض الخبراء والمحللين تساؤلات حول الوضع الجيوسياسي للمضيق، خاصة أن إسبانيا تسيطر على الضفة الشمالية للمضيق، كما تُدير مدينة سبتة الواقعة على الضفة الجنوبية في القارة الإفريقية، والتي تعتبر جزءًا من الأراضي المغربية المحتلة. وإن استمرار هذا الوضع سيصبح محل نقاش سياسي واستراتيجي متزايد إذا تطور التوجه الدولي نحو إعادة النظر في ترتيبات إدارة المضايق ذات الأهمية الاستراتيجية العالمية.
فالحدث الذي بدأ بأزمة هجرة، انتهى بإعادة فتح ملف ظل لعقود خارج دائرة الاهتمام الدولي. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب. فالتاريخ يعلمنا أن الاحتلال، مهما طال، ليس قدرًا أبديًا.
فمن كان يعتقد أن هونغ كونغ ستعود إلى الصين بعد أكثر من قرن ونصف من السيطرة البريطانية؟ ومن كان يتصور أن ماكاو ستعود إلى وطنها الأم بعد أكثر من أربعة قرون من الاحتلال البرتغالي؟
لقد عادت هونغ كونغ سنة 1997، وعادت ماكاو سنة 1999، لأن القانون الدولي تطور، ولأن الإرادة السياسية انتصرت، ولأن الحقوق لا يطويها الزمن. فإذا كان ذلك قد تحقق في آسيا، فلماذا يُنظر إلى سبتة ومليلية وكأنهما استثناء من حركة التاريخ؟
إن المغرب لم يطرح يومًا هذا الملف بمنطق التصعيد أو المواجهة، بل بمنطق الدولة الواثقة من حقها، المؤمنة بأن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الأمثل لتصفية آخر آثار الاستعمار. واليوم، تغيرت موازين القوى. فالمغرب أصبح شريكًا استراتيجيًا للقوى الكبرى، وقوة إقليمية ذات ثقل سياسي واقتصادي وأمني، بينما أصبح احترام الوحدة الترابية للدول مبدأً راسخًا في العلاقات الدولية.
إن استمرار وجود مدينتين مغربيتين تحت الإدارة الإسبانية لم يعد مجرد خلاف ثنائي، بل أصبح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا يطرح نفسه بإلحاح: هل يقبل العالم، وهو الذي يدعو إلى إنهاء كل أشكال الاستعمار، ببقاء آخر الثغور الاستعمارية في إفريقيا؟ إن استعادة سبتة ومليلية ليست قضية ظرفية، ولا شعارًا عاطفيًا، بل هي قضية تاريخية وسيادية ستظل حاضرة في وجدان كل المغاربة، تمامًا كما ظلت هونغ كونغ وماكاو حاضرتين في وجدان الشعب الصيني حتى عادتا إلى الوطن.
قد تكون مأساة الهجرة غير النظامية قد آلمت الجميع، لكنها كشفت أيضًا حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: أن ملف سبتة ومليلية لم يُغلق، وأن التاريخ لا يمنح الشرعية للاحتلال مهما طال الزمن.
لقد أثبتت الصين أن الصبر الاستراتيجي يصنع المعجزات، وأثبت المغرب في قضية الصحراء أن الدبلوماسية الهادئة تحقق المكاسب. ولعل الزمن قد بدأ يهيئ الظروف لفتح صفحة جديدة في ملف الثغور المغربية المحتلة، صفحة عنوانها الحوار، والشرعية التاريخية، واحترام القانون الدولي وسيادة الدول.
فالتاريخ لا ينسى، والجغرافيا لا تكذب، والحقوق لا تسقط بالتقادم. وقد تكون الأحداث المؤلمة التي عرفتها سبتة، بالفعل، “رب ضارة نافعة”، لأنها أعادت إلى العالم سؤالًا تأجل: متى يحين موعد استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية؟






