كانا في ذلك العمر الذي يظن فيه الإنسان أن الزمن لينٌ بين يديه، وأن الوعود تقف وحدها من غير سند، وأن الدنيا ليست سوى جنة تمتدُّ حتى آخر الأفق.
في العشرين من العمر... أو يزيدان عليها قليلًا.
لم يكونا من أولئك الذين يخطفون الأبصار بوسامةٍ استثنائية، بل من أولئك الذين يشدّون الانتباه لأنهما كانا يبدوان وكأنهما يسكنان روحًا واحدة، وإن جلس كلٌّ منهما على كرسيه.
كانت الابتسامات تنساب بينهما ببطءٍ يشبه إيقاع مقطوعةٍ موسيقية هادئة.
وكانت الكلمات تحلّق في المسافة الفاصلة بينهما كطيورٍ ألفت الأمان، فلا تخشى الهبوط على الأكتاف.
أما اليدان...
فكانتا تقتربان دون موعد، وتبتعدان دون فراق.
تتلامس الأصابع في خفاء، ثم تتردد، ثم تعود كأنها تعرف الطريق إلى بعضها منذ زمنٍ بعيد.
وكان في تلك اللمسات الخاطفة من الحنان ما لو نطقت به الكلمات لأفسدته.
وبدا العالم، في تلك اللحظات، كأنه رضي أن يتركهما وحدهما.
لكن...
ظهر شابٌّ ثالث.
جاء بثقة أولئك الذين لا يخالجهم شكٌّ في حقهم في اقتحام حياة الآخرين.
صافح الشابَّ بسرعةٍ مألوفة، كأن التحية إجراءٌ لا شعور.
ثم التفت إلى الفتاة، ومدَّ يده إليها.
فمدّت يدها.
غير أنها لم تكن اليد نفسها التي كانت، قبل لحظات، تكاد تهمس ليد الشاب الآخر بما تعجز عنه اللغة.
كانت يدًا باردة...
كأنها شيءٌ يُعار ولا يُمنح.
يدًا بلا دفء.
بلا ذاكرة.
بلا حضور.
أما الغريب...
فلم يظهر عليه أنه انتبه إلى شيء.
وربما انتبه إلى كل شيء.
ثم انصرف.
عاد الصمت...
لكنه لم يعد الصمت نفسه.
وظلت الكلمات تُقال، غير أنها أخذت تدور حول فراغٍ خفي، كأن الهواء بين الاثنين قد تغيّر، أو كأن أحدًا نقل المسافة بين قلبيهما إلى مكانٍ آخر.
ومضت دقائق.
ثم عاد الرجل.
هذه المرة جذب كرسيًا بصوتٍ حاد، شقّ السكون كما تشق السكين ثمرةً نضجت أكثر مما ينبغي.
وجلس.
لم يستأذن.
ولم يشعر أنه دخل منطقةً لم تكن تتسع إلا لاثنين.
راح يتحدث.
ويضحك.
وكان الشاب يجيبه بأدب.
أما الفتاة، فكانت ترسم على شفتيها ابتساماتٍ صغيرة، لا تكاد تبلغ عينيها.
ومع ذلك...
كان شيءٌ ما قد مات.
ليس الحب.
فالحب أعند من أن يموت بهذه السهولة.
إنه لا يموت...
بل يغيّر طريق تنفّسه.
الذي قُتل في تلك اللحظة كان الحميمية.
لم يصرخ أحد.
ولم يغادر أحد.
ولم تقع مأساة يراها الناس.
لكن حدًّا خفيًّا قد انكسر.
وظل الثلاثة يشغلون المكان نفسه...
غير أنهم لم يعودوا يعيشون العالم نفسه.
وفجأة...
مال الشاب نحو حبيبته.
اقترب منها حتى صار صوته همسًا لا يسمعه إلا قلبها.
قال لها كلماتٍ قليلة...
لكن بعض الكلمات لا تُقاس بعدد حروفها، بل بما توقظه في الروح من يقين.
وما إن انتهى، حتى أشرقت ملامحها، وانفرجت أساريرها، كأن غيمةً سوداء انزاحت عن شمسٍ كانت تنتظر لحظة الظهور.
ثم رفعت عينيها إلى الرجل الثالث.
لم تقل شيئًا.
ولم تُشر بيدها.
لكن في نظرتها كان من الكبرياء ما يكفي، ومن الوضوح ما يغني عن الكلام.
كانت نظرة امرأةٍ عرفت لمن تنتمي روحها، وأين يبدأ وطن قلبها وأين ينتهي.
قرأ الغريب الرسالة.
وفهم أن الكراسي قد تُشارك أصحابها المكان...
لكنها لا تمنح أحدًا حق الجلوس في المسافات التي لا يملك مفاتيحها.
نهض في هدوء.
وغادر.
لم يكن مهزومًا...
بل كان قد أدرك متأخرًا أن بعض الأبواب لا تُفتح بالإصرار، وأن بعض القلوب لا يدخلها إلا من دُعي إليها.
وعاد الصمت...
غير أنه هذه المرة كان صمتًا مطمئنًا.
وعادت الكلمات تجد طريقها.
وعادت الأيدي تعرف بعضها من جديد.
أما الرجل الثالث...
فلعله كان يظن نفسه زائرًا عابرًا.
ولم يكن يدري أنه صار شخصيةً في حكاية غيره.
ذلك الدور الذي يسنده القدر أحيانًا إلى الغرباء؛ أن يكشفوا، من حيث لا يقصدون، هشاشة اللحظات السعيدة... أو صلابتها.
فكم يكفي أحيانًا...
كرسيٌّ يُسحب.
ومصافحةٌ بلا دفء.
ونظرةٌ واحدة... تعيد لكل قلبٍ حدوده.
وعندئذ...
لا تعود السعادة مكانًا يُعاش...
بل يقينًا لا يستطيع دخيلٌ أن ينتزعه.






