مجتمع وحوداث

وماذا عن الماكثين بالداخل العاضين على الحديد..؟؟

أحمد الطاهري (كاتب صحفي)

سال كلام كثير عن حدث "هروب" ورجوع الآلاف من المغاربة، مؤخرا، نحو الجيبين المحتلين من الوطن (سبتة ومليلية).

تعددت وتشعبت واختلفت التحليلات حول الأسئلة الشائكة المثارة حول هذا الهروب الجماعي، (وإن كان هروبا موصوفا بلغة التهذيب الدبلوماسي بالهجرة غير النظامية، فقد اتخذ، هذه المرة، حجما وبعدا كبيرين من حيث العدد والانتماء الجغرافي).. إنها الأسئلة المطروحة حول: لماذا هذا الحدث الاستثنائي في هذا التوقيت تحديدا (عيد العرش)؟ ومن "دبر" الأمر؟ وكيف جرى ذلك؟ ...

وثقت الكاميرا، بالصوت والصورة، ما حصل.. ويا لهول ما حصل.. الآلاف من المغاربة (من جهات وأعمار وفئات اجتماعية مختلفة)، "دبروا" أمورهم (كيفما اتفق..) من أجل "الهروب" جماعيا من وطن الداخل نحو الجزء المبتور منه، (عن طريق السباحة غير المضمونة العواقب، ثم عبر اقتحام بوابة العبور البرية).

وبعد انقشاع الضباب عن مشهد الواقع العنيد، عاد أغلب "الهاربين" للوطن ـ الداخل، من فرط الجوع والعطش وبطش المطاردة، في رحلة جحيمية ستظل علامة فارقة في تاريخ المنطقة، كحركة بشرية رأت وترى في الهجرة إلى الفضاء الأوروبي "الديمقراطي والحر..."، "طوق نجاة" للخلاص من ويلات التهميش والبؤس والشقاء...

الأرقام المعلنة رسميا من الجهة الإسبانية توحي بأن أعداد الضحايا مرشحة للتصاعد (من المعدودين في عداد المتوفين ومن المفقودين). 

وما مشهد النعال ـ البلاستيك الطافية فوق الشاطئ المتوهم بأنه جسر نجاة، سوى التجسيد التراجيدي القاسي لهلاك قوم بيننا فقدوا الثقة في آليات الحماية المعتمدة بالداخل، فألقوا بأنفسهم إلى التهلكة، بحثا عن حياة قد توفر لهم حدا أدنى من العيش الكريم، والحر والإنساني..

سال كلام كثير عن هؤلاء "الحراكة" الذين "جلبوا للوطن سخط الخارج"، ومن هذا الكلام الذي أطلق على عواهنه، من اتهمهم بخدمة أجندة خارجية، ولامهم على "كسلهم وتقاعسهم وعدم مسايرتهم لاقتناص فرص المغرب الصاعد في الاستراتيجيات الكبرى المخططة له...". 

ولذلك اعتبروا ضحايا "عاديين"، حيث لم يستثر الموتى منهم واجب العزاء والمواساة رسميا، بما يحفظ، في الحد الأدنى، الوجه الأخلاقي والإنساني لمن يفترض أنهم المسؤولون عن التكفل بذلك. 

أأكثر من قساوة هذا المشهد الموثق بالصوت وبالصورة ؟؟ مشهد جثث تنتشل من البحر لضحايا لفظهم زمن بائس، مقابل مشهد برلمانيات صورن بلباسهن المزركش وزينتهن وحليهن.. 

نساء من "علية القوم" ظهرن وهن يستعرضن مظاهر انتشاء كبير بحضور المناسبة الوطنية التي "شوشت" على صفائها وطهرانيتها مظاهر البؤس الفاجعة في الجانب الآخر.

هؤلاء الضحايا، الأحياء منهم (إلى حين ربما، خاصة في ظل هذا الظرف العصيب..)، كما الأموات، ولهم الرحمة الأبدية، لديهم أهل بيننا.. أهل نعيش معهم يوميا، ونحس وسطهم بمدى القسوة التي يقاسونها في تصريف متطلبات يومهم التعيس البئيس.

مع تغول الفئات المنتفعة من صفقات الرأسمال والريع المشرعة والمتاحة للمصطفين من علية القوم، وما استتبع ذلك من تفاوت طبقي، باتت حتى فئات الطبقة الوسطى (الأطباء والمهندسون والمثقفون والموظفون ...)، والتي طالما تم التنظير لكونها تشكل دعامة أساسية للتوازن في المجتمع، تسطلي بضغوطات الواقع المر في تجلياتها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية...

فقد أضحى من المألوف أن يعاين المرء في قلب العاصمة الإدارية، حيث واجهات البنايات مصفوفة ومكتظة بلوحات الدكاترة في شتى التخصصات، وبدبلومات المحامين والمهندسين والموثقين والمحاسبين الماليين (...) شتى مظاهر الهشاشة والفقر، العوز والحرمان...

في الأزقة التي نعبرها يوميا، يستعطفنا، وبخطاب خجول ومستكين يمزق نياط القلب، مواطنون ومواطنات، مسنون منهم ومسنات أساسا، وتبدو عليهم (هن) علامات ضمور جسدي بين، من أجل تسديد "ثمن" وجبة أكل، وأقلها قطعة خبز محشوة بعلبة "طون".

في الدرب، تتوالى مشاهد امرأة مسنة وضامرة الجسد، وهي تقضي يومها في جلب قنينات الماء من بعيد، كونها لا تستطيع تأمين فاتورة الماء، وحتى الكهرباء، بمسكنها الصغير البسيط. وثمة تفاصيل عيش "خادشة" بذات المسكن لا ترشح سوى بالخصاص والبؤس..

وفي الدرب، أيضا، يقضي رجل مقيم وهو مسن، لياليه في "حراسة" سيارات معدودات.. هي "حرفة" لرتق قليل من المساحة الكبيرة المثقوبة في الجيب، كون سلامة المكان مؤمنة بكاميرات ثبتتها إحدى الشركات التجارية.. 

وفي المقهى المحاذي للدرب، والضاج بالصياح والأصوات النشاز ـ ويا لخيبتك إن نسيت جهاز (الكاسك) العازل للصوت ـ تتوافد عليك عينات من نساء وأطفال لعرض ما لا يخطر على بال من سلعة (ملابس داخلية، أسلاك ومعدات هاتف، كلينيكس، معدات منزلية وكهربائية، واقيات شمسية، مصابيح كهربائية وأجهزة تبريد ومواد حافظة للسلامة بالبيت، ألعاب أطفال، ناهيك عن أشكال البيسكوت والحلوى...).

بحكم منطق السيرورة التاريخية، سيطوي الوطن هذه الصفحة ـ النشاز، كما طوى صفحات من قبلها، مسائلا ذاته، عبر فاعليه، حول مدى إمكانية وقابلية تملك آليات متجددة، خلاقة وبديلة لتجسيد المعالم الفعلية والحقيقية لمسار التقدم والرفاه والديمقراطية، بعد القطع مع شتى الأساليب السلبية الكابحة لهذا المسار.

تلك الديمقراطية المنشودة التي تنتفي فيها صورة عون سلطة أقدم ـ ومن علو ـ على فعل سحق مواطن مغلوب على أمره، بصخرة سميكة.. 

وذاك الرفاه المنشود الذي لا تخدش سكينته صورة نعال كثيرة طافية لضحايا أزهقت أرواحهم فوق مياه البحر الممتد هناك بالشمال.

ذاك البحر الجميل الهادئ، والمفروض أنه قبلة جالبة للراحة، ومؤمنة للاستجمام لجميع البشر سواسية..

هناك في الضفة الأخرى، في مايوركا أو غيرها ببلاد الهسبان، أو في أي بقعة على ضفتي الأطلسي أو المتوسط بهذا الوطن الذي يأبى الخذلان.. 

ولا مراء في التأكيد بأن من أصعب أنواع الخذلان على المرء، ذاك الذي لا تأتي ضربته من عدو متربص، بل من يد كان يمسك بها ليأمن الخوف...