مجتمع وحوداث

الهجرة غير النظامية.. لماذا لا تفسرها مدونة الأسرة؟

أحمد الدافري (إعلامي)

استغربت من وجود من يرى أن مدونة الأسرة المغربية هي المسؤولة عن عملية الهجرة غير النظامية نحو سبتة، في سياق تفسير غريب لظاهرة تتداخل عوامل عديدة ومعقدة فيها. 

 

هناك روبورتاج تم بثه يوم 28 أبريل 2023 على موقع "Investigation" (تحقيق)، 

 عنوانه :

 "Calais : dans la poudrière du plus grand bidonville d"Europe" 

(كالي: في برميل بارود أكبر عشوائيات في أوروبا)

 

 وهو يغوص في قلب مخيم "الأدغال" (La jungle) الشهير في مدينة كالي الفرنسية الواقعة على بحر المانش والبعيدة بحوالي 40 كلم عن شواطئ المملكة المتحدة، ويكشف عن ظروف عيش كارثية لآلاف المهاجرين من جنسيات مختلفة، إفريقية وأسيوية ومن الشرق الأوسط، يجمع بينهم حلم واحد هو العبور إلى المملكة المتحدة.

 

الروبورتاج يصور محاولات التسلل المستميتة عبر نفق المانش وبالتسلل داخل الشاحنات، مع ما يصاحب ذلك من صدامات مع الشرطة، ومن أحاسيس اليأس الذي يدفع هؤلاء الهائمين في أوروبا، لتحمل جحيم الأوحال والأمراض، في انتظار فرصة المرور من أدغال مدينة كالي الفرنسية إلى الضفة الإنجليزية. 

 

هذا الواقع المرير الذي ينقله الروبورتاج، وتؤكده الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية ومرصد الهجرة، يضعنا أمام حقيقة ساطعة: 

إن أية عملية نزوح جماعي منظم عابر للقارات هو عملية ليس سببها "مدونة أسرة" مزعومة.  

فقد سجلت الهجرة غير النظامية عبر بحر المانش أرقاما قياسية مهولة، حيث قفزت من 28526 مهاجرا في 2021 إلى ذروة تاريخية بلغت 45774 مهاجرا في عام 2022، وعادت لتسجل ثاني أعلى حصيلة في عام 2025 ب 42472 مهاجرا، وحتى مطلع غشت من عام 2026 تم رصد وصول حوالي 14531 مهاجرا إلى الضفة الإنجليزية عبر بحر المانش في قوارب مطاطية. 

 

وفي خضم هذا النقاش العالمي حول أسباب هذه الظاهرة المتفاقمة، برزت أصوات لدينا في المغرب، تحاول تبسيط هذا النزوح الجماعي عبر ربطه بعوامل تشريعية بحتة، حيث ذهب البعض، في سياق تحليله لظاهرة هجرة الشباب المغاربة، إلى تعليقها على مشجب "مدونة الأسرة" المغربية في صيغتها الأخيرة، معتبرين أن التعديلات القانونية المتعلقة بحق المرأة في الولاية إلى جانب الرجل وحقوق الأبناء قد أدت إلى تصدع البنية الأسرية وتفككها، وبالتالي دفع الشباب إلى الهجرة.

 

هذا الطرح، هو تسطيح مخلّ لظاهرة جيوسياسية وسوسيولوجية واقتصادية بالغة التعقيد، ولا يصمد أمام حقائق الواقع الميداني والإحصائيات الدولية التي تثبت أن المهاجرين مثلا من مدينة كالي Callais الفرنسية هم خليط من جنسيات مختلفة لا يجمع بينهم قانون أسرة واحد.

 

إن تحميل التعديلات الأخيرة في مدونة الأسرة مسؤولية هجرة الشباب هو قفزة استنتاجية غير موفقة تتجاهل الدوافع الحقيقية للظاهرة. 

 

فانهيار "الأسرة الصلبة" حتى إن وجد، وهاجس الشباب في تغيير واقعهم نحو الأفضل عن طريق الهجرة غير النظامية، ليس نتاج قانون حديث، لأن ظاهرة قوارب الموت كانت موجودة قبل التشريع لمدونة الأسرة الحالية، بل هو نتاج الصدمة القيمية والفجوة الاقتصادية والصور الجذابة والخادعة عن مجتمع يعيش الرفاهية في الضفة الأخرى، وهي صور ساهم الإعلام الرقمي في تحويلها إلى فخاخ تصطاد أرواح عدد من الذين ينخدعون بها، والذين يعيشون في بنية مجتمع لم يتهيأ بعد لتحصين شبابه ضد مثيرات الغزو الثقافي الرقمي، مع فشل ذريع للنماذج التنموية، وتسابق نخبة سياسية على المناصب دون اهتمام حقيقي بالمصالح الجماعية.  

 

ما ينبغي فهمه، هو أن محاربة هذه الظاهرة لا تمر عبر ممارسة الإيديولوجيا والديماغوجيا، بل تتطلب مقاربة شمولية تعترف بتعقيدات العصر، وتستهدف التنمية الاقتصادية الحقيقية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وإيجاد قنوات قانونية للهجرة تضمن الكرامة الإنسانية.

وهذا ما كان.