رأي

عبد العزيز الخطابي: عندما كان الإسباني يطرق أبواب المغاربة طالباً لقمة الخبز؟

للتاريخ ذاكرة لا تُصاب بالخرف. حتى وإن حاولت السياسة أن تصاب به كل صباح.


هناك شعوب تتذكر الماضي لتتعلم منه. وهناك دول تتذكره فقط عندما يخدم مصالحها. ثم تنساه بسرعة عندما يتحول إلى مرآة تكشف تناقضاتها. وإسبانيا. في علاقتها بالمغرب. تبدو أحياناً وكأنها تفضل قراءة التاريخ من الصفحة الأخيرة. بعد أن مزقت الصفحات الأولى وألقتها في البحر الذي يفصل الضفتين.

اليوم. عندما يُختزل الحديث عن الهجرة في صور قوارب مطاطية وأسلاك شائكة ودوريات بحرية. يُخيّل للبعض أن الفقر ولد في الضفة الجنوبية للمتوسط. وأن أوروبا كانت دائماً قارة الرفاه. وأن المغرب لم يكن سوى محطة انطلاق للمهاجرين. لكن التاريخ. ذلك الشاهد الذي لا يقبل الرشوة. يروي حكاية مختلفة تماماً.

لقد شهد شمال المغرب. خلال النصف الأول من القرن العشرين. موجات من الإسبان الذين دفعتهم الحروب الأهلية والمجاعة والانهيار الاقتصادي إلى البحث عن لقمة العيش في المدن المغربية. لم يأتوا سياحاً يحملون الكاميرات. ولا مستثمرين يحملون الحقائب الدبلوماسية. بل جاء كثير منهم حفاة من شدة الحاجة. يجرون خلفهم سنوات من البؤس ويطرقون أبواب المغاربة طلباً للعمل أو المساعدة.

في تلك السنوات. لم يكن مشهداً غريباً أن يعمل الإسباني حمالاً في الأسواق والموانئ. يحمل الأمتعة على ظهره مقابل أجور زهيدة. أو أن يجوب الأزقة بائعاً متجولاً يعرض ما تيسر من السلع البسيطة. وتشير روايات تاريخية وشفهية إلى أن بعض الأسر الإسبانية اضطرتها قسوة الظروف إلى التسول. حتى أصبحت عبارة "أونا باطاطا بور فابور" جزءاً من ذاكرة كثير من كبار السن في مدن الشمال.

ولم يكن لقب "إسبانيول بورقعة" مجرد نكتة شعبية. بل كان وصفاً اجتماعياً لفئة من الناس أنهكها الفقر حتى صارت الرقع تسبق أسماءهم. لم يكن اللقب شماتة في شعب. بل وصفاً لمرحلة تاريخية قاسية. أثبتت أن الجوع لا يحمل جنسية. وأن الفقر لا يعترف بجوازات السفر.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة ليس أن الإسبان هاجروا إلى المغرب. فالهجرة ظاهرة إنسانية عرفتها كل الأمم. بل أن هذه الصفحة أصبحت اليوم شبه غائبة عن الخطاب العام وكأن التاريخ لا يستحق أن يُروى إلا إذا كان يمنحنا شعوراً بالتفوق.

المفارقة الساخرة أن بعض الأصوات التي تتحدث اليوم عن الهجرة وكأنها ظاهرة جنوبية خالصة. تنسى أن أوروبا نفسها كانت. في مراحل عديدة. تصدّر أبناءها إلى مختلف أنحاء العالم هرباً من الفقر والجوع والحروب. فقد هاجر الإسبان إلى المغرب. والبرتغاليون إلى البرازيل، والإيطاليون إلى الأرجنتين، والإيرلنديون إلى الولايات المتحدة، وملايين الأوروبيين بحثوا عن حياة جديدة خارج القارة التي تُقدَّم اليوم بوصفها الفردوس النهائي.

التاريخ لا يسخر من أحد. لكنه يعاقب من ينساه.

ومن المؤسف أن النقاش حول الهجرة صار يُدار أحياناً بمنطق الذاكرة الانتقائية. فعندما يكون المهاجر أوروبياً يصبح "باحثاً عن فرصة" أما عندما يكون إفريقياً أو عربياً أو أمازيغيا.فيتحول في بعض الخطابات إلى "مشكلة أمنية" وكأن البحر الأبيض المتوسط يغيّر تعريف الإنسان بمجرد أن يعبر من ضفة إلى أخرى.

ليس المقصود من استحضار هذه الوقائع تسجيل نقاط سياسية. ولا تبادل أدوار الضحية والجلاد. فالفقر لا يُشمت فيه. والهجرة ليست عاراً. العار الحقيقي هو أن يُستخدم التاريخ عندما يخدم مصالح الأقوياء. ثم يُدفن عندما يفضح ازدواجية المعايير.

فالمغرب. الذي استقبل عبر مراحل مختلفة مهاجرين ولاجئين من أوروبا. يعرف جيداً أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بلون البشرة ولا باللغة ولا بجنسية جواز السفر. ومن يعرف تاريخ المتوسط يدرك أن البشر عبروا هذا البحر في الاتجاهين. وأن الأمواج لم تكن يوماً تفرّق بين إسباني ومغربي. بل كانت تفرّق فقط بين من ينجو ومن يغرق.

ولذلك. فإن استعادة هذه الصفحة ليست دعوة إلى جلد أحد. ولا إلى بناء خطاب قومي متعصب. بل إلى إعادة التوازن للذاكرة. لأن الأمم التي تنسى أنها كانت فقيرة. تصبح أقل رحمة بالفقراء. والأمم التي تنسى أنها كانت مهاجرة. تصبح أكثر قسوة على المهاجرين.

إن البحر الذي يفصل المغرب عن إسبانيا لا يفصل بين حضارتين متناقضتين. بل بين شعبين تبادلا. عبر القرون. التجارة والحروب والهجرة والثقافة واللغة وحتى الفقر. وما يفعله السياسيون اليوم من صناعة جدران نفسية بين الضفتين. لا يستطيع أن يمحو حقيقة بسيطة كتبها التاريخ بحبر لا يجف: أن الإنسان. حين يجوع. لا يسأل عن اتجاه البوصلة. بل عن المكان الذي يمنحه فرصة للحياة.

وهكذا. يبقى التاريخ أكثر تواضعاً من السياسة. وأكثر صدقاً من الدعاية. فهو يذكّرنا بأن الكراسي تتغير. والحدود تُرسم وتُمحى. والاقتصادات تصعد وتهبط، لكن الإنسان يظل هو الإنسان؟ يهاجر حين يضيق به الوطن. ويبحث عن الأمان حيث يجده. سواء كان مغربياً يعبر البحر اليوم. أو إسبانياً عبره بالأمس.