ويثير هذا المشهد المتكرر أسئلة دستورية وسياسية وأخلاقية تتجاوز مجرد ممارسة حق فردي في الاستقالة، لتلامس جوهر العلاقة بين المنتخب والناخب من جهة، وبين الأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية من جهة ثانية. لقد جاء دستور 2011 استجابة لأحد أبرز مطالب الإصلاح السياسي، حين أقر مبدأ منع الترحال السياسي، وجعل من الانتماء الحزبي الذي حصل على أساسه المرشح على ثقة الناخبين جزءا من الشرعية الديمقراطية للانتداب النيابي، ولذلك نص على تجريد كل نائب أو مستشار يتخلى عن الحزب السياسي الذي ترشح باسمه من عضويته البرلمانية، باعتبار أن المقعد الانتخابي ليس ملكا شخصيا، وإنما هو ثمرة تعاقد سياسي بين الناخب والحزب والمرشح.
وقد ترجم القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب هذا المبدأ، محددا حالات التجريد من العضوية بسبب التخلي عن الانتماء الحزبي أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية، في إطار حماية الإرادة الشعبية وصيانة الاستقرار المؤسساتي. غير أن الممارسة السياسية أفرزت مسلكا آخر، يتمثل في تقديم الاستقالة من مجلس النواب قبل أسابيع قليلة من انتهاء الولاية التشريعية، وهي حالة لا تتعلق بالتجريد من العضوية بسبب التخلي عن الانتماء السياسي، وإنما بشغور المقعد.
ومن الناحية القانونية، يترتب عن شغور المقعد، في الأحوال العادية، تعويض النائب المستقيل بالمترشح الذي يليه مباشرة في اللائحة الانتخابية، غير أن القرارات الأخيرة للمحكمة الدستورية المتعلقة بالاستقالات اكتفت بالتصريح بشغور المقعد، دون دعوة المترشح الموالي لشغله، خلافا لما درج عليه اجتهادها في حالات سابقة.
ويبدو أن تفسير هذا التوجه يجد سنده في الفقرة الأخيرة من المادة 90 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي تجعل دعوة المترشح الموالي رهينة بوجود مدة زمنية تسمح بممارسة الانتداب، وهي مدة ثلاثة أشهر. وبما أن الفترة الفاصلة بين تاريخ التصريح بالشغور وانتهاء الولاية التشريعية أصبحت تقل عن هذا الأجل، فإن التعويض يفقد مبرره العملي والقانوني، ويصبح المقعد شاغرا إلى نهاية الولاية.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدم تعويض المقعد، وإنما في توظيف الاستقالة باعتبارها وسيلة للالتفاف على الغاية الدستورية التي من أجلها حُظر الترحال السياسي. فإذا كان الدستور يمنع تغيير الانتماء الحزبي أثناء الانتداب تحت طائلة التجريد، فإن الاستقالة في الأمتار الأخيرة من الولاية أصبحت، في الواقع، تتيح للمنتخب التحرر من هذا القيد، ثم الانتقال إلى حزب آخر استعدادا للاستحقاقات المقبلة، دون أن تترتب عن ذلك أي آثار قانونية ذات معنى.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام احترام لروح الدستور أم أمام استعمال شكلي للقانون يفرغ النصوص من مقاصدها؟ إن المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية جاءت بصيغة واضحة، حين نصت على أنه “لا يمكن لعضو في أحد مجلسي البرلمان أو في مجالس الجماعات الترابية أو في الغرف المهنية التخلي عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، تحت طائلة تجريده من عضويته”.
كما كرست القوانين التنظيمية المتعلق بالجماعات الترابية المبدأ نفسه بالنسبة لأعضاء هذه المجالس، محددة مسطرة قضائية للتجريد أمام المحكمة الإدارية، بما يعكس إرادة تشريعية واضحة في محاربة الترحال السياسي وحماية صدقية الاختيار الانتخابي.
لكن النصوص القانونية مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها حماية الأخلاق السياسية إذا غابت الإرادة الحزبية. فالمسؤولية لا تقع على المنتخب الذي غادر حزبه فقط، بل تمتد إلى الأحزاب التي تفتح أبوابها لاستقبال المرشحين في موسم الانتخابات، وكأنها تتعامل مع رصيد انتخابي مجرد، لا مع مشروع سياسي أو مرجعية فكرية.
فما الذي يعنيه أن يغادر ادريس السنتيسي وهو قيادي بارز في حزب الحركة الشعبية بعد ثلاثين سنة من الانتماء إليه، لينتقل إلى حزب الاستقلال؟ وما الدلالة السياسية لانتقال أمين عام سابق لحزب وطني، مثل حميد شباط، إلى حزب آخر، ثم انتقال أفراد من أسرته السياسية إلى تنظيمات مختلفة؟ وما معنى أن يعود قيادي سابق في الاتحاد الاشتراكي وهو عبد الهادي خيرات إلى الواجهة الانتخابية والإعلامية ولكن من بوابة حزب التقدم والاشتراكية؟ وهل يتعلق الأمر بتحولات فكرية عميقة، أم بحسابات انتخابية محضة؟
يصعب إقناع الرأي العام بأن الأمر مجرد مراجعات سياسية، بينما تؤكد الوقائع أن القاسم المشترك بينها جميعا هو البحث عن مظلة سياسية، وضمان الاستمرار داخل المؤسسات المنتخبة. لقد قال جلالة الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير: “كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.” وهي رسالة لا تقتصر على مؤسسات الدولة، وإنما تمتد أيضا إلى الفاعلين الحزبيين والمنتخبين، باعتبار أن العمل السياسي ليس وسيلة لتحقيق المجد الشخصي، بل أداة لخدمة الصالح العام.
وعندما يتحول الانتقال بين الأحزاب إلى مجرد وسيلة لضمان مقعد انتخابي جديد، فإن السياسة تفقد بعدها القيمي، ويتحول الحزب إلى وعاء انتخابي، والمنتخب إلى باحث دائم عن أفضل عرض سياسي، بغض النظر عن المرجعية أو البرنامج أو التاريخ النضالي. فلا يعود مهما أن يكون الحزب يساريا أو يمينيا، محافظا أو ليبراليا، تاريخيا أو حديث النشأة؛ المهم هو الظفر بالتزكية والعودة إلى قبة البرلمان.
وتزداد خطورة هذه الممارسات لأنها تأتي قبيل انتخابات تشريعية ينتظر منها المغاربة إعادة بناء الثقة في المؤسسات المنتخبة، في سياق يتسم باتساع الفوارق الاجتماعية، وتنامي الاحتجاجات، وارتفاع سقف الانتظارات الشعبية. ومن ثمة فإن الرسالة التي تصل إلى الناخب ليست رسالة تنافس حول البرامج، وإنما رسالة مفادها أن الولاء الحقيقي ليس للمبادئ بل للمقاعد.
إن الالتفاف على فلسفة الدستور لا يقل خطورة عن مخالفته الصريحة، فالدساتير لا تُقاس فقط بحرفية نصوصها، وإنما أيضا بمدى احترام الغايات التي شُرعت من أجلها. وإذا كان منع الترحال السياسي قد جاء لحماية الإرادة الشعبية، فإن تحويل الاستقالة إلى جسر للانتقال الحزبي في الأيام الأخيرة من الولاية التشريعية يفرغ هذا المبدأ من مضمونه، ويعيد إنتاج السلوك الذي أراد دستور 2011 القطع معه.
إن تجديد الثقة في الحياة السياسية لن يتحقق بخطابات انتخابية جديدة، بل بترسيخ ثقافة الوفاء للتعاقد السياسي مع المواطنين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام أخلاقيات العمل الحزبي، فالديمقراطية لا تنهض فقط بقوة النصوص، وإنما أيضا بصدق الممارسة.






