هذه ليست حقيقة… بل أكبر عملية تضليل يتعرض لها جيل كامل.
لقد أصبح بعضهم يختزل المغرب في صورة عابرة، أو فيديو مفبرك، أو حادثة معزولة، ثم يصدر حكمًا قاسيًا على وطن يمتد تاريخه لقرون، وكأن أمةً بأكملها يمكن اختزالها في أزمة أو مشهد مؤقت.
المغرب ليس جنة على الأرض، ولم يدّع ذلك أحد. نعم، فيه تحديات، وفيه اختلالات تحتاج إلى إصلاح، وفيه مواطن يطالب بحقه، وهذا أمر طبيعي في كل دولة تسعى إلى التطور. لكن الفرق بين الأمم التي تنهض وتلك التي تتراجع هو أن الأولى تواجه مشاكلها بالعمل، بينما الثانية تجعل من جلد الذات مشروعًا دائمًا.
في المغرب لا تُوزَّع الكرامة في مكاتب الإعانات، ولا تُمنح قيمة الإنسان بحجم ما يتقاضاه من مساعدات. الكرامة تُصنع بالعمل، بالاجتهاد، بالإنتاج، وبالإيمان بأن الإنسان هو من يصنع مستقبله، لا من ينتظر أن يصنعه الآخرون.
ولهذا، فإن تصوير الهجرة على أنها الطريق الوحيد للنجاح هو كذبة خطيرة، لأنها تدفع الشباب إلى احتقار وطنهم قبل أن يعرفوا قيمته، وإلى الاعتقاد بأن السعادة تُشترى بتذكرة سفر، وأن الكرامة تُمنح عند ختم جواز السفر.
الحقيقة أن ملايين المهاجرين في العالم يعملون ليل نهار، ويكدحون من أجل لقمة العيش، ويواجهون الغربة والتمييز وصعوبة الاندماج، لأن النجاح لا يوزعه أي بلد مجانًا. النجاح يُنتزع بالعمل في الرباط كما في ستوكهولم، وفي الدار البيضاء كما في باريس، وفي طنجة كما في نيويورك.
أما المغرب، فبعيدًا عن خطابات التشاؤم، يواصل بناء نفسه بثبات. موانئ عملاقة، وطرق سيارة تمتد عبر المملكة، وقطار فائق السرعة كان الأول في إفريقيا، وصناعة سيارات وطائرات تنافس في الأسواق العالمية، واستثمارات في الطاقات المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية، ومشاريع استراتيجية جعلت المغرب شريكًا اقتصاديًا يحظى باحترام متزايد على الساحة الدولية.
فهل هذه إنجازات دولة استسلمت؟ أم إنجازات وطن قرر أن يبني مستقبله رغم الصعوبات؟
إن الوطنية ليست أن نقول إن كل شيء جميل، وليست أيضًا أن ننكر المشاكل. الوطنية الحقيقية هي أن نرى العيوب بوضوح، لكن نرفض أن تتحول إلى مبرر لهدم الثقة في الوطن أو نشر اليأس بين أبنائه.
إن من يزرع في عقول الشباب أن المغرب لا يستحق سوى الهروب، لا يقدم لهم نصيحة، بل يسلبهم انتماءهم، ويجعلهم يعتقدون أن الحل دائمًا في مكان آخر. وما أكثر الذين اكتشفوا بعد سنوات أن الأوطان لا تُستبدل، وأن الغربة ليست حلمًا دائمًا، وأن الإنسان قد يحمل جنسية جديدة، لكنه لا يستطيع اقتلاع جذوره.
نحن لا ندعو إلى إغلاق أبواب العالم، ولا إلى رفض الهجرة، فالتنقل من أجل العلم أو العمل حق مشروع، بل قد يكون مصدر قوة للوطن إذا عاد بالنفع والخبرة. لكننا نرفض تحويل الهجرة إلى عقيدة، وتحويل الوطن إلى متهم دائم، وكأن المغرب لم يقدم شيئًا لأبنائه.
إن الأوطان لا تخون أبناءها… وإنما تخسرهم عندما ينجح خطاب اليأس في إقناعهم بأن لا مستقبل لهم فيها.
المغرب أكبر من حملات التشويه، وأقوى من خطابات الإحباط، وأعرق من أن يُختزل في منشور على مواقع التواصل. إنه وطن صنع حضارة، وحافظ على هويته، وصمد أمام تقلبات التاريخ، وسيواصل التقدم بأبنائه الذين يؤمنون أن البناء أشرف من الهدم، وأن العمل أنبل من الشكوى، وأن حب الوطن ليس كلمات تُقال، بل مسؤولية تُؤدى.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مغربي على نفسه: هل نريد أن نورث أبناءنا وطنًا أقوى، أم أن نورثهم ثقافة الهروب؟
فالأمم لا تنهض بالمنتظرين، ولا بالمتفرجين، ولا بمن يحوّلون الإحباط إلى عقيدة. الأمم تنهض برجالها ونسائها الذين يؤمنون أن الأوطان تُبنى بالعلم، والعمل، والصدق، والإرادة.
المغرب ليس وطنًا كاملًا… لكنه وطن يستحق أن نقاتل من أجل مستقبله، لا أن نهرب منه، وأن نُصلح أخطاءه، لا أن نحوّلها إلى ذريعة لاغتيال الأمل في نفوس أبنائه.






