أجمع فاعلون سياسيون وأكاديميون خلال ندوة نظمتها "مؤسسة الفقيه التطواني" يوم الخميس 2 يوليوز 2026، على أن ضعف المشاركة الانتخابية ليس سوى عرض جانبي لأزمة بنيوية عميقة وتغيرات عرفتها الأسر المغربية، وليست سبباً في حد ذاتها، وذلك في مقاربة تشخيصية لأزمة الثقة التي تخيم على المشهد الحزبي المغربي.
وخلص المتدخلون إلى أن استعادة ثقة المواطنين تتطلب تجاوز المقاربات الظرفية، والانتقال إلى معالجة اختلالات تراكمت عبر مسار طويل من التحولات السياسية والمؤسساتية، مؤكدين أن الخروج من هذه "الأنفاق" السياسية يقتضي إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، ووضع حدود فاصلة بين الأحزاب التي تؤطر المجتمع وتدافع عن مشاريع مجتمعية واضحة وبين تلك التي تحولت إلى آليات انتخابية محضة.
وفي هذا الصدد، حذر عبد الله البقالي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، من السقوط في فخ الاكتفاء بمساءلة نتائج الأزمة بدل تفكيك البنية التي أفرزتها.
وأوضح البقالي أن العمل السياسي شهد تحولاً جذرياً انتقل فيه المواطنون من اعتماد الوسائط التقليدية كالأحزاب والنقابات إلى منصات التواصل الاجتماعي كفضاء رئيسي للتعبير، في وقت لا تزال فيه الممارسة الحزبية حبيسة أدوات عتيقة.
ولفت المتحدث إلى أن هذا التحول ترافق مع تراجع الضوابط المهنية والأخلاقية، مما عزز انتشار الأخبار الزائفة، محذراً من أن القلق الشعبي تجاوز حدود النفور من الأحزاب ليصل إلى مؤشرات مقلقة تتعلق بالانتماء للدولة، تجلت في رغبة فئات عريضة من الشباب في الهجرة.
من جهته، ربط عبد العلي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، تراجع الثقة بمحطات تاريخية مفصلية، موضحاً أن العلاقة بين المواطن والسياسة عرفت مداً وجزراً تبعاً لتطورات السياق السياسي والحقوقي.
وانتقد حامي الدين تحول العديد من الهيئات السياسية من أدوات للتأطير والتربية على القيم إلى "تجمعات للمصالح" أو ما يعرف بـ"أحزاب الكارتيل"، حيث أدى تداخل المال بالأعمال بالمسؤوليات السياسية إلى ترسيخ نظرة سلبية لدى المواطن، الذي بات في كثير من الأحيان يربط الانتماء الحزبي بانتظار منافع شخصية عوض تبني المشاريع الفكرية.
وبدوره لفت رشيد روكبان، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، إلى تراجع دور الأحزاب السياسية التي كانت تاريخيا الفاعل الأساسي في تشكيل الرأي العام، عبر صحافتها وتنظيماتها ومواردها البشرية، مرجعا سبب ذلك إلى صعود الفضاء الرقمي وما يتيحه من أدوات جديدة للتأثير تعمل على توجيه اختيارات المواطنين وتساهم في تشكيل آرائهم.
ويرى روكبان، بناء على هذا التحول، أن التأثير السياسي لم يعد حكرا على الأحزاب، بعدما أصبح بإمكان مؤثر واحد عبر مقطع فيديو أو بث مباشر الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت وجيز، بينما يحتاج الحزب السياسي إلى إمكانيات بشرية ومالية ولوجستية كبيرة لتنظيم تجمع جماهيري.
وفي سياق متصل، ذهب سمير بلفقيه، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى القول بأن فهم وضعية الأحزاب السياسية اليوم يقتضي الانطلاق أولا من التحولات المجتمعية الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، سواء على المستوى الديمغرافي أو الاجتماعي أو الرقمي.
واستعرض بلفقيع التغيرات العميقة التي عرفتها الأسرة المغربية، مع تراجع معدل الخصوبة، وارتفاع نسبة التمدن، وتعميم التمدرس، إلى جانب التحول الرقمي الذي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، حيث أصبح يؤثر في نمط الحياة اليومية وإنتاج الأفكار والأراء وتوجيه الاختيارات.
وانتهى اللقاء بالتأكيد على أن معالجة هذه "الأعطاب البنيوية" مسؤولية جماعية مشتركة، تتطلب إصلاحاً عميقاً يقطع مع الممارسات التي ساهمت في تهميش الفاعل السياسي الحقيقي وتراجع منسوب الثقة لدى العموم.






