منذ البداية، يكشف "همام" الراوي، الذي هو جامع حيوان وإنسان، عن عدته في سرد حكايته عن فاس. يقول وهو يحاول الاتجاه من المدينة الجديدة (دار الدبيبغ) إلى (باب الفتوح): "سأشد خيوط نعلي جيدا، هل يحتاج الداخل إلى نعل أم حذاء؟ فلأدخل إذن بأي وسيلة، ولتكن وسيلتي الأولى هنا هي اللغة. لغة بيضاء ثلجية ليست يمينية ولا شمالية وإنما لغة كلام تسرد السرد بالشعر وبكل ما أوتيه من تذكر، أليس الإنسان سوى كائن يذّكر...؟".
ولا غرابة في أن يفرد الشاعر، ابن فاس، رواية لفاس. وهي رواية تجري أحداثها في أزقة مدينتها العتيقة تحديدا، واختار لها الكاتب عنوانا فرعيا: "ابتسموا إنكم في فاس". العبارة التي كانت معلقة ومترجمة إلى ما يزيد على ثلاثين لغة على جدار جامع أبي الجنود.
فقد سبق لصاحب ديواني "مجمع الأهواء"، و"ينابيع مائية"، أن أصدر ديوانا بعنوان: "باب الفتوح". وفي رواية "الحيسان"، يحضر هذا الباب إلى جانب الأبواب الأخرى (باب بوجلود، باب المحروق، باب المكينة، باب الحمراء، باب الحديد، باب الخوخة، باب الكيسة).
في السرد المخصص لهذا الباب، يحكي "همام"، الذي هو خليط من البشرية والحيوانية والآلة، عن النساء والوجود والحب.. ويتحدث عن الإنسان البكاء من الحرارة والبرودة والعمل والبطالة والسياسيات الفردية والجماعية، والوحدة والتعدد والاختلاف (...) وعن الإنسان الشكاء من الحرارة والبرودة والمرض وضيق العيش والتخمة أيضا، ومن الناس والطقس وكل شيء (...).
وعن سؤال حول الكتابة، يقول "همام": "الكتابة زئبق ضروري يكسر جليد الناس زمن الشدة: هي همّ لاصق بالجلد وداخله. هي وسواس قهري ضاغط لا مجال لزواله إلا بالموت. الكتابة تأجيل هائل للموت، أو فلنقل إحياء له، بما أن موت الكاتب هو حياته الحقيقية (...)".
في الصفحة الأولى، وبقص تخييلي فانتاستيكي، يبدأ الحمار حديثه عن المطبات، التي يطلقون عليها "الضوضان" أي ظهر الحمار.. يقول: "أنا أحمل أثقالا كثيرة، أفقه بعضها وأجهل الأغلب منها. تقدم: قال صاحبي. لم أتقدم. نهرني. ضربني بعصاه المخصصة لضربي، فلم أتقدم. الظهر السفلي لا يلائم سيري ولا قوائمي الأربع (...) مطبات ومطبات إذا أردت التأخر والرجوع للخلف فنحن نبارك لك ذلك، في الفكر واللغة واللباس والتقنيات. نحن من سيحدد لك مساحة التقدم التي عليك ألا تتجاوزها، وإلا فجزاؤك النبذ والعقاب، وربما النفي فالجلد فالقتل (...) تقدمت قليلا متجاوزا عقبة ظهري. والتفتّ نحو صاحبي قائلا: أرأيت، حتى الطرق الحديثة تأخذ اسمي. أنا مهندس الطرقات".
من شخصيات الرواية، محمد بن امحمد الزروالي العروسي الفاسي، الذي يلقب ب"الحيلة"، والذي استوطن حي "خريشفة"، وعمّر لأزيد من مائة وعشر سنوات، وظل الكيف صديقا ملازما له منذ مدة طويلة جدا، وزوجته "خناتة" التي تبدو قوية وصارمة من خلال قسمات وجهها، ومن حركات جسدها ويديها، ومن نبرة صوتها الحادة الخشنة، و"با بشير الرجراجي"، الذي يبيع كل شيء بالتقسيط. با بشير "الذي زاده الله بشرا، لأنه دائما مبشور"، و"عمتي رحمة" التي تقضي معظم وقتها في خدمة الآخرين، و"العكري" الشخصية الفاسية اليهودية، الآمر الناهي لسبعة حمير قصيرة القامة وقائدها الحمار "عليان"، الملقب فيما بعد ب"همام".
ومن بين هذه الشخصيات، أيضا، "آية"، فتاة حي "خريشفة" الجميلة والذكية والمتواضعة جدا لحد العجب، و"البوهالي" الحلايقي صاحب فرجة الحكي الممزوج بمسرحة يوظف فيها اللغة ويوظف الحيوان لإثارة الانتباه وكسب الرزق، و"السلطانة" عائشة الزعراء التي تسكن في "حي اليهودي"، والتي تغني وترقص وتقص الحكايات الغريبة والنكث الفاضحة التي يحتاجها الرجال ويفتقدونها مع زوجاتهم، وذلك قصد إثارة زوارها، وهم من علية القوم (...).
وبلغة جميلة، سلسة ومكثفة، تحفل الرواية، التي تتصدر أجزاء فصولها استهلالات من كتابات لأعلام صوفية كابن عربي وتاريخية كابن خلدون، ومصادر تاريخية رسمية وأخرى شبه رسمية ومصادر شعبية..، بسرود شيقة ومشوقة تحكي عن عوالم التصوف وشيوخه، وأحوال السياسة وأصحابها، وعن عوالم الفن والشعر والحكمة وعلامات البيت والفرق...
فعند حديث الراوي، مثلا، عن الفرق، نقرأ: "الفرق هو الفاصل بين الحيرة والطريق. طريق الهمام (الحمار) وطريق التمام (الإنسان). حيرتي أرضية على التراب، أما حيرتك ففكرية، في المتاهة تقيم. والفرق هو التفرقة. في التفرقة قرأت ذات يوم: "فكل جمع بلا تفرقة فهو زندقة وكل تفرقة بلا جمع فهو تعطيل"، والفرق هو الحاصل في القلب والعقل، وفي الروح والجسد...".
تحكي السرود عن يوميات وفضاءات وطقوس مدينة النحاس. ومن هذه الطقوس طقس الكيف، حيث نقرأ: "الكيف من التكيف، وما الإنسان في العمق سوى كائن قادر على التكيف. والقادر على هذه الميزة هو السالك الناجي. طريق السالكين هو طريق المتكيفين. والهالكون هم الغارقون في عنادهم ومنطقهم الأحادي العصبي الرافض لكل تكيف. التموضع في المكان يخضع لشروط الزمان والوقت. لذلك يركز الشيخ على المقولة الخالدة: (الوقت ما أنت فيه). كيف يمكن التلاؤم مع الوقت من غير تكيف مع الحالات التي يقتضيها كل مقام؟".
وبالنبرة الفلسفية الصوفية التأملية الحكيمة ذاتها التي تؤثث كل المتن، يحكي السارد عن أجواء فاس وتغير أحوالها وناسها.
يقول: "تغير الجيران ولم تتغير الدار. المنزل كما هو: ثلاثة طوابق ونصف، كلها مفتوحة من الوسط، حوالي 40 أو 50 مترا قضيت فيها كل طفولتك دون أن تشعر. واتصفت بصفات الأنبياء وبصفاتي، في الصبر. كنت تقرأ وتقول: العذاب من العذوبة، وسمي العذاب عذابا لعذوبته...".
ويواصل الحكي عن الطريق بالقول: "النساء بارعات في الشطارة، لا يشترين شيئا إلا بعد تعذيب بائع الثوب أو الخليع أو الأواني النحاسية التي اشتهرت بها مدينتك. والطريق قبل الرفيق عكس المعهود. الطريق والطريقة هما اللذان يؤثثان المشهد الفاسي، في الحر المفرط الدائم...".
وعن تيهان "عليان"، نقرأ: "تاه يتيه فهو تائه وتيهان. كل الدواب تتيه مرة واحدة على الأقل في حياتها لسبب من الأسباب. الإنسان تائه وقد خلق هكذا، ولذا يحتاج إلى توجيه ذاتي أو خارجي. الحيوان أيضا إلا أنه يختلف من نوع لآخر، هو تائه بالسليقة باستثناء الحمار الصبور المطيع القانع بمصيره مع صاحبه، ما دام يملأ بطنه، ونحن هنا نتحدث بالضبط عن حمير فاس المضبوطة بالوقت والقيمة".
ومن بين الأسئلة الشائكة التي تطرحها الرواية، أيضا، سؤال التكنولوجيا، إذ يطرح "همام"، الذي عاش التحول "اللعين" (من الحمار إلى الإنسان، ثم من الإنسان إلى الحالة الحيوانية. ثم عودة إلى أرض الناس، عودة لحامل الرقاقة المنتهية الصلاحية)، سؤالا إشكاليا.
يتساءل: ماذا لو انتهت صلاحية كل رقائق الدنيا؟ ليأتي الجواب مخيفا وصادما: "سيقع الاصطدام العنيف. طائرات تتلاطم وتنشر أشلاءها على الأرض، أراض ستدمر بفعل الماء الهائل الذي ستحدثه السدود المنهارة. ناطحات سحاب تسوى بالأرض، قطارات الميترو، الأبناك... آه الأبناك. هذه المؤسسات الكبيرة التي خلقتموها لتنظيم أموركم فأصبحت تتحكم في العباد والرقاب قبل أن تحولها إلى حرب ستدمركم تدميرا. حرب النجوم والإعلام والسلطة والأوبئة... والآتي أعظم".
ولأنه شاعر تتنفس كتابته، بالخصوص، من نفائس الذخيرة الصوفية العظيمة، وتتغذى من ذائقة أدبية مميزة، وتمتح من سرود خيال جامح، ألبس أحمد العمراوي عمله الجديد هذا لبوسا قشيبة تبهج القلوب العارفة وتسر الأعين البصيرة، حيث إدراك كنه ومغزى الحكي ليس بالسهل وليس بالممتنع، بل يتطلب قراءة عاشقة ومتبصرة تنفذ إلى اللب كي يتذوق صاحبها تلك اللذة المشتهاة عند كل قراءة حصيفة، في عملية أشبه بمص النحلة لرحيق الأزهار.
ينسج الكاتب نصه نسجا محكما كاملا، حيث تبرز عملية التشبيك والتطريز متقنة وبارعة، لتلمع تلك العلامة الفارقة المسجلة بدمغة التفلسف والتصوف والشعر.. ولتحصل تلك الغاية المبتغاة التي لا يبلغها سوى أصحاب الدربة والمهارة..
إنهم أولئك الذين يؤجج "شغب" الكتابة لديهم شغفها، بفتح معنى الكلمة المباشر والحصري إلى معانيها الكامنة، الشاسعة والمضيئة.. المعاني ـ الصور الأكثر ضخا لأوكسجين القلب والعقل في زمن الناس الكسيح هذا...
إنه الفانتاستيك في أرقى تجلياته..
ـ الرواية صادرة عن عن دار (أكورا للنشر والتوزيع)، وتقع في 279 صفحة من القطع المتوسط.
ـ الصورة ملتقطة من حفل توقيع الرواية خلال الدورة الأخيرة من المعرض الدولي للكتاب بالرباط، إلى جانب صديقنا الصفي، منذ ريعان الشباب واشتعال الأحلام في فاس.
إنه أحمد العمومري، الملقب بحميدو، وهو الحكاء الماهر الذي أهدى أحمد العمراوي روايته له، كونه شكل دعامتها الأساسية.






