فن وإعلام

نوستالجيا ملاحم "شُجْعَانْ" الخيل والبارود على إيقاع أنغام أوتار شيوخ العيطة المغربية

أحمد فردوس (باحث)

من ساحات "الوغى" إلى اليونيسكو:


انطلقت جذور تراث فن ورياضة الفروسية التقليدية المغربية "التّْبَوْرِيدَةْ" خلال القرن الخامس عشر الميلادي، حيث لم تكن مجرد استعراض احتفالي، بل وسيلة حيوية للدفاع عن تراب القبيلة، وتحرير الثغور، وصد العدوان والغزو الأجنبي. 


قبل ظهور مادة البارود، كان فرسان القبائل المغربية يقدمون عروضا حربية تحاكي مشاهد القتال والمناورات العسكرية باستخدام النبال والحراب وغيرها من الوسائل المتاحة. ومع حلول القرن السادس عشر ودخول البنادق، تحولت هذه التدريبات إلى لوحات فرجوية توثق لتاريخ الْحَرْكَاتْ السُّلْطَانِيَّةْ، لتتطور عبر القرون من ممارسة قبلية محلية إلى موروث ثقافي عالمي مسجل ضمن قوائم التراث اللامادي لمنظمة اليونيسكو.


تحالف أنامل الصناع والحرفيين مع سنابك الخيل والبارود:


من المعلوم أن ازدهار تراث فن ورياضة التّْبَوْرِيدَةْ ارتبط تاريخيا بالصناعة التقليدية المغربية. إذ كانت المواسم والأعياد الدينية (عيد المولد النبوي والأضحى) تشكل مناسبات مهمة يلتئم فيها ويجتمع الحرفيون والصناع التقليديون، من قبيل الخياطين، والدباغين، والنجارين، والحدادين... في تقديم أبهى ما جادت به أناملهم من سروج أصيلة، ومكاحل منقوشة، وخناجر، وأزياء تقليدية ـ حسب خصوصية المناطق ـ تليق بهيبة الفارس وجواده. هذا التلاحم وثق اللحمة الوطنية، وحوّل البادية المغربية إلى حصن يحمي الهوية الثقافية والاقتصادية للمملكة، حيث يمكن التأكيد على أن تراث فن التّْبَوْرِيدَةْ قد تأسست معالمه من البادية المغربية إلى آفاق العالمية.


فارس "الْفَرَّادِي" يمثل النخبة العسكرية بمواصفات نادرة:


في عمق هذا التراث اللامادي الذي خصصت له المملكة المغربية منافسات ومباريات سنوية بدار السلام بالرباط أو بمعرض الفرس بالجديدة منذ عقود خلت، يبرز بقوة طقس فرجوي رائع في ركوب الخيل بصيغة "الْفَرَّادِي" أو "التَّفْرَادْ"، بمعنى أن الفارس/الْفَرَّادِي يقوم بتقديم مهاراته الاستعراضية وحيدًا وسط مضمار الْمَحْرَكْ أمام الجمهور. لكن يجب أن نؤكد على أن هذا الاستعراض يتمثل الفارس/الفرادي من خلاله، تاريخا حافلا بالبطولات والملاحم والامجاد. فـ "الْفَرَّادِي" قديماً كان يمثل النخبة العسكرية بمواصفات نادرة، ومن أبرز مهامه على سبيل المثال لا الحصر:


ـ خبير التضاريس وقاصّ الأثر، على اعتبار أنه يمتلك قدرة فائقة على ركوب الخيل باستعمال السرج أو بدونه، ويفهم إشارات نبض جواده، ويجيد اقتفاء أثر العدو وسط الفيافي والرمال.


ـ عين الجيش خلف خطوط العدو، بحكم أنه كان يتولى استكشاف الطرق الوعرة وممرات الجبال الصعبة قبل تحرك الفيالق السلطانية "الرّْكَبْ السُّلْطَانِي"، متميزا بقدرة عالية على التمويه والنجاة من الكمائن وقطاع الطرق.


ـ صندوق الأسرار، الذي تسند إليه أخطر المهام الأمنية وهي حمل الرسائل السلطانية المستعجلة عبر مسافات شاسعة (تربط بين فاس ومراكش...)، متمتعا بأمانة مطلقة وسرية تامة تجعله يقطع الفيافي وحيدا متحملا قسوة الطقس والمخاطر.


ـ حارس الراية في قلب الموت، في أوقات الحروب، كان "الْفَرَّادِي" يتقدم الصفوف مسترخصا روحه في سبيل إبقاء الراية الحربية مرفوعة وشامخة في الميدان، بمعنى أنه.


إن التبوريدة بصيغة "الْفَرَّادِي" اليوم ليست مجرد ترفيه، بل هي استحضار لذاكرة الشجاعة المغربية وسيرة رجالٍ صاغوا بالحنكة والشجاعة تاريخ وطن.


تراث "التّْبَوْرِيدَةْ" توأم فن العيطة المغربية:


عندما تصهل الخيول البربرية والعربية البربرية في محرك التّْبَوْرِيدَةْ، وتتعالى طلقات البارود الممزوجة بزغاريد النساء، لا يتوقف الصدى عند حدود الساحات، بل يمتد ليهز أوتار شْيُوخْ وفناني تراث غناء فن العيطة المغربية، حيث يمثل هذا التلاحم وثيقة شفوية وتراثا لاماديا يعكس علاقة عشق ضاربة في التاريخ بين الفارس وجواده على إيقاعها الحماسي والبطولي، لترسم أبهى الكلمات بمداد الفخر والاعتزاز بركوب الخيل وتتحول إلى قوالب وأساليب غنائية متعددة الروافد تنضح بشهامة الإنسان المغربي.


مثلا، في نمط غناء "لَحْسَابْ الزَّعْرِي"، تبرز الشذرات الشعرية في قالب منهج تربوي يحث الآباء ويوصيهم على توريث عشق الحصان لأبنائهم كرمز للسيادة. فالخيل والكرم والجود من "إرث الآباء والجدود" والفروسية هي بتعبير شيوخ هذا النمط الغنائي "نخوة ومذاق". 


ولم تكتفِ هذه المدرسة الغنائية بهذا الدرس البيداغوجي، بل جعلت أعداد الخيول مقياسا لقوة وشجاعة القبائل وهيبتها (الشاوية وعبدة واحمر ودكالة والرحامنة...). حيث وضعت الشذرات الشعرية وأسست لمرجع ودليل تربوي وأخلاقي تعاقدي من أجل رعاية الخيل، فالحصان الجامح والشجاع يُكرم لأن "المحرك طويل والزمان قبيح". كما خلدت عيطة "جعيدان" المقاومة الشرسة لقبائل وادي زم وأبي الجعد ضد المستعمر على صهوات الخيول البربرية والعربية البربرية.


في سياق متصل تفنن شاعر/ناظم العيطة الغرباوية في تشبيه أسراب الخيل ونقع غبار سنابكها بسرب "لَحْمَامْ ولَغْمَامْ". بل مضى إلى أبعد من ذلك حين شبه القامة الرشيقة للأفراس بالنساء الحسناوات، واصفاً عيون الخيل وسرعتها بنخوة "خَيْلْ السّْرَاتَةْ ﮜاعْ سَبَّاﮜةْ".


أما في العيطة الحوزية، فقد وثق الناظم تاريخ معارك مجال منطقة الرحامنة ضد المستعمر، فجاءت عيطة "خَالِي يَا خْوِيلِي" لتمجد القائد العيادي، وخيوله المسنحة بالسروج المطرزة باللون "الشِّيبِي"، باكيا على أيام بطولات وملاحم قبائل الرحامنة. لذلك استلهم الشاعر/الناظم في عيطة "سيدي صالح الخطابي"، وصف الحصان كمطية للفارس البطل الذي يواجه الأعداء وحيدا في عتمة الليل خلف الخيام. ونفس الشيء نلمسه في غناء العيطة "الْمَلَّالِيَّةْ" حين تصدح رائعة قصيدة "الشُّجْعَانْ" لتصف استنفار القبائل (السماعلة وبني خيران) حين يمتطي "الْعَلَّامَةْ/لَمْقَادِيمْ" خيولهم لتعوم في بحر المعارك. 


بخصوص نموذج غناء فن العيطة العبدية، يبرز الحصان كرمز للسلطة والمخزن، حيث تحكي عيطة "شْرِيفِي سِيدِي حَسَنْ" سيانريو تنقلات "الْحَرْكَاتْ وَالَمْحَلَّاتْ السُّلْطَاِنيَة" للسلطان الحسن الأول، الذي كان عرشه على صهوة جواده. كما تبرز قيمة الحصان في عيطة "خَرْبُوشَةْ"، حيث تم إعداد خطة من أجل الاستيلاء على حصان القائد "سْوِيلَمْ" كغنيمة حرب توازي انكساره الشخصي. وفي مقاطع من عيطة "الْعَمَّالَةْ"، يتحول الناظم إلى مرشد رفيق يوصي الفرسان بالرأفة والرفق بالخيل "أعْطِيوْا لِلْخَيْلْ تَعْلَفْ. قْبَلْ مَا تَسْخَفْ. رَاهْ الِّليلْ طْوِيلْ". أو "نَزْلُوا تْغَذَّاوْ. رَاهْ الْخَيْلْ عْيَاوْ".


ويمتد هذا العشق الشغوف إلى العمق الصحراوي عبر الغناء البلدي الجرفي الفيلالي، فرغم مكانة الناقة في الصحراء، يظل الفرس (الأَدْهَمْ والْبَرْﮜِي والزّْرَﮜْ...) رمزاً للكرامة والأمن والتصدي للغارات حماية للأرض والعرض، حيث يتغنى الشاعر بجمال طلقات البارود "عْلَى ﮜْصَاصْ الْخَيْلْ". وتكتمل الدائرة التراثية بسوسة "عَلْفَةْ الْخَيْلْ" في العيطة الشيظمية التي تمجد صمود الفرسان "الْخَيْلْ قْلِيلَةْ حَابْسَةْ لَعْدُو" و "رَﮜْبُوا أَيَا أحْمَرْ رَﮜْبُوا"


إن هذا التلاحم يفسر طقساً مغربياً فريدا، إذ كان الفلاح والكساب إذا أنجبت فرسه، أقام لها "سْبُوعْ الْعَقِيقَةْ" وحفلا بهيجا يتمزج فيه الديني والروحي بالفرجوي، تماماً كما يحتفى بالمولود الجديد وسط أفراد العائلة، لتظل الخيل البربرية والعربية البربرية رمزا أبديا للنخوة والقوة في المواسم والمهرجانات الوطنية.