أظهرت مجريات مقابلات كأس الأمم الإفريقية في نسختها الـ35 بالمغرب أن كرة القدم هي عنصر من عناصر رابط الانتماء لإفريقيا التي كرسها الدستور المغربي من خلال مقولة التنوع والتعدد، مجسدة في عدة أبعاد، منها -لا للحصر- البعد الديني، والبعد الأمازيغي، والبعد العربي، والبعد الإفريقي، والبعد المتوسطي، والبعد الأطلسي. وكأن هذا الرابط الهوياتي يؤكد بالملموس أن التظاهرة تثمن مقولة أن الاختلاف ليس دونية، وكذلك أن الرقي الحضاري لا يكتب فقط بمداد من دم، بل كذلك يكتب بـ”مداد من قدم”.
ومع إنجازات المنتخب المغربي لكرة القدم منذ سنة 2022 تحولت المملكة المغربية من “جزيرة” -بحسب مقولة عبد الله العروي- إلى مركز وعاصمة لإفريقيا. هذا التحول رافقه مد قيمي، تجلى عبر تفاعلات من داخل "معجم رابح" بنفحات قيم تَمَغْرُبِيتْ: “الحمد لله”، “النية”، “مربيين”، “ولاد الناس”، “رجال”، “العائلة”، “رضات الوالدة”، … وكل هذا المعجم يمثل حقلاً دلالياً لـ”ملحمة الأسود” المتواصلة كعنوان للإنجازات المستمرة للمنتخب الوطني لكرة القدم. لهذا، وبالاعتماد على العناصر السالفة الذكر، يبدو بديهياً إضافة اسم “المدرسة المغربية” إلى لائحة المدارس الكروية المعروفة في الأدبيات الرياضية.
وعلى الصعيد الوطني، تشهد المملكة المغربية تغيراً مجتمعياً يرتبط بتجديد القدوات الشبابية تحت عدة مسميات، منها -لا للحصر-: “الركراكي”، "وهبي" ، “حكيمي”، “بونو”، “العيناوي”، “المزراوي”، “الزلزولي"، "الصيباري" ، "الخنوس" ... وهذه القدوات الشبابية الجديدة نتج عنها مطلب الحاجة إلى إرساء اليقينيات المحلية والمرجعيات التاريخية لأمة "حالمة" تابعت وتفاعلت مع مقابلات كرة القدم ببعد ترابي ومحلي وكوني، يمتزج في طياته ارتفاع قمم جبال الأطلس -كإحالة أولى مباشرة على "أسود الأطلس"- وهيجان أمواج المحيط الأطلسي، من خلال إيجابية تعبيرية للتحفيز على الفوز والتهديف بـ"علامة مغربية مسجلة": “سيييير… سيييير …سيييير… سيييير…”.
ولأن الجمهور الكروي المغربي حاضر، ومساند، بل وباعث على الانتصار والتحدي والتضحية والمكابدة، ورافعا ومبدعا في ترديد النشيد الوطني، فإنه أضحى -وبدون منازع- عنصرا من عناصر القوى الناعمة للمملكة المغربية، والذي يسوَقَ صورة جميلة ومبهرة عن "أسود صاعدة"، تمتح من المحكيات الشعبية حول شغف الشجاعة، "دِيرْ النِّيَّة ونْعَسْ مْعَ الحَيَّة"، وترفع شعار الانتصار لشخصية مملكة "منبت الأحرار" و "مشرق الأنوار” ورقي القيم الإنسانية، والروح الرياضية بعبق سردية “النبوغ المغربي”.
مبروك للمملكة المغربية وللمنتخب الوطني لكرة القدم..






