إذا كان المغرب يقدم مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتبارها نموذجًا متقدمًا للحكامة الترابية في إطار وحدة الدولة وسيادتها، فإن النقاش الدائر حول التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة يثير سؤالًا مبدئيًا يتجاوز المهنة ذاتها: هل توجد فلسفة دستورية واحدة تحكم العلاقة بين الاستقلال الذاتي والرقابة، أم أن معايير هذه العلاقة تختلف بحسب طبيعة المؤسسة والمال الذي تدبره؟.
ينبغي ابتداءً التمييز بين مجالين مختلفين. فالحكم الذاتي يتعلق بتنظيم ترابي ذي طبيعة دستورية وسياسية، بينما التنظيم الذاتي للمحاماة يتعلق بهيئة مهنية مستقلة تؤدي رسالة ترتبط بحسن سير العدالة. لذلك فإن القياس بينهما ليس قياسًا في الاختصاصات، وإنما في المبادئ العامة للحكامة.
وتتمثل أولى هذه المبادئ في أن الاستقلال لا ينفي المساءلة، كما أن الرقابة لا تعني الوصاية. فكلما اتسعت صلاحيات التدبير الذاتي، ازدادت الحاجة إلى آليات رقابية مستقلة تضمن حسن استعمال الموارد وتحمي المصلحة العامة، دون أن تتحول الرقابة إلى تدخل في القرار المستقل أو إلى أداة للتوجيه السياسي أو الإداري.
وفي هذا السياق، يصبح عنصر المال العمومي هو المعيار الفاصل في تحديد طبيعة الرقابة وحدودها. فكلما تعلق الأمر بأموال عمومية أو بتحويلات من الميزانية العامة أو بموارد تدخل ضمن المالية العمومية، كانت الرقابة المالية الدستورية أكثر اتساعًا، باعتبارها ضمانة لحماية المال العام وترشيد الإنفاق.
أما إذا تعلق الأمر بموارد ذات طبيعة مهنية أو خاصة، تمولها اشتراكات الأعضاء أو موارد المؤسسة الذاتية، فإن الرقابة ينبغي أن تحترم استقلال المؤسسة، وألا تتجاوز حدود التحقق من المشروعية في الحالات التي يحددها القانون.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الوصاية والرقابة. فالوصاية تفترض إمكانية توجيه القرار أو الحلول محل المؤسسة أو تعطيل إرادتها، بينما الرقابة، في الدولة الدستورية، تروم التحقق من احترام القانون وحماية المال العام عند الاقتضاء، دون المساس بجوهر الاستقلال المؤسسي.
وينطبق هذا المنطق على تدبير الموارد البشرية أيضًا. فالإدارة الذاتية لا تعني غياب معايير الشفافية أو تكافؤ الفرص أو ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنها تعني أن اختيار المسؤولين وتدبير الشؤون الداخلية يظل من اختصاص المؤسسة نفسها، ما لم يقرر الدستور أو القانون خلاف ذلك.
ومن زاوية الذكاء الترابي والذكاء المؤسساتي، فإن نجاح أي نموذج للحكم أو التنظيم الذاتي لا يقاس بحجم الرقابة المفروضة عليه، وإنما بقدرته على إنتاج الثقة من خلال الشفافية، والتدبير الرشيد، والنجاعة، والإفصاح، وآليات المحاسبة الداخلية والخارجية الملائمة لطبيعته القانونية.
لذلك فإن السؤال الدستوري الحقيقي ليس: هل ينبغي إخضاع المؤسسات المستقلة للرقابة؟ وإنما: ما هي طبيعة الأموال والموارد محل الرقابة؟ ومن هي الجهة المختصة دستوريًا بممارستها؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تحول الرقابة إلى وصاية، أو تحول الاستقلال إلى حصانة من المساءلة؟.
إن قوة الدولة الحديثة لا تقاس بتوسيع الوصاية على المؤسسات، وإنما بقدرتها على بناء توازن دقيق بين الاستقلال والمسؤولية، وبين الثقة والرقابة، وبين حماية المال العام وصون استقلال المؤسسات. وهذا التوازن هو جوهر الحكامة الديمقراطية، سواء تعلق الأمر بالحكم الذاتي الترابي أو بالتنظيم الذاتي للهيئات المهنية.






