من عصبية ابن خلدون إلى سيولة باومان... لماذا أصبحت كرة القدم امتحانا وجوديا للانتماء؟
لو عاد عبد الرحمن بن خلدون إلى عالمنا اليوم، لربما لن يكتب فصلا جديدا عن القبائل والدول، بل لوقف متأملا في مدرجات الملاعب، حيث ترتفع الأعلام وتختلط الدموع بالأناشيد، ويعلن ملايين البشر انتماءهم عبر مباراة لكرة القدم. ولربما أدرك أن "العصبية" التي جعلها قبل ستة قرون أساس العمران لم تختفِ كما ظن كثيرون، وإنما غيرت لباسها فقط. فقد غادرت الخيمة وسكنت المدرجات، وانتقلت من رابطة النسب إلى رابطة الذاكرة والهوية.
فالإنسان، كما فهمه ابن خلدون، لا يعيش فردا معزولا بل يبحث دائما عن جماعة تمنحه القوة والمعنى والحماية. لم يكن يقصد بالعصبية مجرد رابطة الدم، وإنما تلك الطاقة النفسية والاجتماعية التي تجعل الفرد يقول: "نحن". وهذه الـ"نحن" لا تزال تحكم العالم، وإن تغيرت أشكالها وأسماؤها.
لقد وعدت الدولة الحديثة الإنسان بأنها ستستبدل العصبية بالمواطنة، وستجعل القانون بديلاً عن القبيلة والدستور بديلا عن النسب والمؤسسات بديلا عن الولاءات التقليدية. غير أن التجربة التاريخية كشفت أن الدولة تستطيع تنظيم حياة الإنسان، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه شعور الانتماء.
وهنا تبدأ كرة القدم في كشف ما تعجز السياسة عن قوله.
فعندما يختار لاعب وُلد في أمستردام أو باريس أو بروكسيل تمثيل المغرب أو الجزائر أو تركيا او ساحل العاج ،فإن السؤال لا يتعلق بجنسية رياضية فحسب بل بانتصار الذاكرة على الجغرافيا. إنه يعلن، من حيث يدري أو لا يدري، أن الهوية لا تُختزل في شهادة الميلاد ، وأن الوطن ليس دائما المكان الذي نعيش فيه بل قد يكون المكان الذي يسكننا.
لقد أدرك الفيلسوف الألماني هيغل أن الإنسان لا يصبح إنسانا كاملا إلا عندما يجد الاعتراف. فالذات لا تكتمل إلا في مرآة الآخر. وعندما يشعر أبناء الهجرة بأنهم مطالبون في كل أزمة، بإثبات أنهم ينتمون إلى المجتمع الذي ولدوا فيه، يتحول البحث عن الاعتراف إلى حاجة وجودية لا إلى مطلب سياسي.
ومن هنا يصبح قميص المنتخب أكثر من زي رياضي، إنه وثيقة اعتراف معنوي ورسالة تقول لصاحبها: "أنت واحد منا دون شروط أو تحفظات."
أما أمين معلوف، فقد حذر من تحويل الهوية إلى محكمة تجبر الإنسان على اختيار جزء من ذاته وإعدام بقية الأجزاء. فالهوية ليست صندوقا مغلقا بل فسيفساء من اللغات والذكريات والثقافات. وكل محاولة لاختزالها في بعد واحد تفتح الباب أمام ما سماه "الهويات القاتلة".
ولعل هذا ما يفسر المأزق الذي يعيشه أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين؛ فهم لا يعيشون بين وطنين، بل يعيشون داخل هويتين في آن واحد، ويحاول كل طرف أن يستأثر بولائهما الكامل.
ثم جاء عالم الاجتماع زيغمونت باومان ليصف عالمنا بأنه عالم "السيولة". ففي هذا العصر لم تعد الوظائف مستقرة ولا العلاقات ثابتة ولا حتى الهويات نهائية. كل شيء أصبح قابلا للتغيير، باستثناء حاجة الإنسان إلى جذور تمنحه معنى وجوده.
وكلما زادت العولمة سرعة، ازداد الحنين إلى الأصل قوة.
لقد ألغت الطائرات المسافات، وألغى الإنترنت الحدود، لكنهما لم يلغيا الذاكرة. بل إن وسائل التواصل الاجتماعي صنعت شكلا جديداً من الوطن؛ وطن لا تحده الجغرافيا بل تبنيه الصور والكلمات والأغاني واللهجة والذكريات اليومية.
وهنا يلتقي باومان مع ابن خلدون، رغم أن بينهما ستة قرون. الأول يقول إن العالم أصبح سائلا، والثاني يذكرنا بأن الإنسان وسط كل هذا السيلان، سيظل يبحث عن عصبية جديدة تمنحه الثبات.
ومن زاوية أخرى، يقدم بندكت أندرسون مفتاحا مختلفا للفهم، حين يرى أن الأمم ليست مجرد كيانات سياسية بل "جماعات متخيلة". فنحن لا نعرف ملايين المواطنين معرفة شخصية، لكننا نتخيل أننا ننتمي إليهم لأننا نتشارك اللغة والرموز والذاكرة. ولهذا يستطيع لاعب لم يعش في بلد أجداده إلا أياما معدودة أن يبكي أثناء عزف نشيده الوطني، لأن الانتماء فعل خيال بقدر ما هو فعل تاريخ.
أما فرانتز فانون، فقد ذهب إلى أن أخطر آثار التمييز ليست الفقر ولا التهميش، وإنما تشويه صورة الإنسان عن نفسه. ولذلك فإن كثيرا من أبناء الهجرة لا يختارون أوطان آبائهم رفضا لأوطان الميلاد بل بحثا عن صورة أكثر عدلا لأنفسهم.
غير أن المشهد لا يكتمل دون فهم الوجه الاقتصادي للعالم الجديد. فقد حولت الرأسمالية كرة القدم إلى صناعة عالمية وأصبح اللاعب رأسمالا بشريا تستثمر فيه الأكاديميات الأوروبية منذ طفولته. لكن المفارقة أن القيمة الاقتصادية تُنتج في الشمال، بينما تتحول القيمة الرمزية إلى الجنوب عندما يرتدي اللاعب قميص منتخب بلده الأصلي.
إنها ليست سرقة للمواهب، ولا استرداداً لها بقدر ما هي نتيجة طبيعية لعالم أصبحت فيه رؤوس الأموال تعبر الحدود بسهولة، بينما بقيت المشاعر أكثر عنادا من الاقتصاد.
ويبقى السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه: هل الهوية حقيقة ثابتة أم مشروع لا يكتمل؟
يبدو أن الإنسان ليس كائنا يحمل هوية جاهزة، بل كائن يصنع هويته باستمرار ويعيد التفاوض معها كلما تغيرت ظروفه. ولذلك فإن اختيار لاعب لمنتخب معين ليس حكما نهائيا على وطنيته بل لحظة من لحظات تشكل الذات.
وهكذا، فإن المستطيل الأخضر لم يعد مجرد مساحة للعب بل تحول إلى مختبر فلسفي يكشف حدود الدولة الحديثة، ويختبر قوة الذاكرة، ويعيد إحياء سؤال طرحه ابن خلدون قبل قرون بصيغة مختلفة: ما الذي يجعل جماعة من الناس تقول "نحن"؟
وربما تكون الإجابة أن الإنسان، مهما بلغ من الحداثة، لا يستطيع أن يعيش بلا انتماء، ولا أن يكتفي بجواز سفر إذا افتقد الاعتراف، ولا أن يستبدل ذاكرته بأي عقد اجتماعي.
إن كرة القدم في النهاية، ليست هي التي قسمت الهويات بل هي التي كشفتها. كشفت أن الوطن ليس مجرد حدود على الخريطة وإنما شعور عميق بالكرامة والاعتراف والمعنى. وكشفت أيضا أن الإنسان لا يسكن الأرض وحدها، بل يسكن التاريخ واللغة، والذاكرة وأن هذه الأوطان غير المرئية كثيرا ما تكون أقوى من كل الحدود المرئية.






