فن وإعلام

لماذا يتضامن كل هؤلاء مع شخص لا مع الفن؟

فؤاد زويريق (ناقد فني)

فجأة انقلب الفيس بوك بحملة تضامنية مع فنان مسرحي كلنا نحترمه طبعا، أغلبية المتضامنين لم يكتبوا جملة مفيدة في بيان تضامنهم، ولا أحد من هؤلاء أخبرنا لماذا ولأي سبب يتضامن، وأبصم بالعشرة أن تسعين في المائة يجهلون لماذا يتضامنون أصلًا! فقط عبارات مكررة ومنمقة يغلب عليها التملق أكثر من موقف واع حقيقي نابع من عمق الأزمة، التضامن مُعدٍ لا شك في ذلك، والكثير من المتضامنين سارعوا إلى تضامنهم حتى يسجلوا أسماءهم في قائمة الحضور، تملقا وتقربا ليس إلا، وليذهب الفن إلى الجحيم، لا أتهم أحدا، لكن الكلمات تفضخ صاحبها.

 كان من الممكن أن يمر سؤال السيد البرلماني، مرور الكرام، كما مرت قبله مئات الأسئلة، نحن نعرف جيدا خروب بلادنا، وخروب برلماننا، وخروب سياستنا... كما نعرف جيدا أنه سؤال للمناكفة السياسية أكثر منه سؤالا لإصلاح القطاع، فآخر هَمّ الحزب الذي ينتمي اليه سيادة البرلماني المحترم، الفن وإصلاحه، لكن رغم ذلك يبقى سؤاله مشروعا، ومن صميم مهمته، ومن حقه مشاكسة الأغلبية الحكومية باعتبار حزبه جزءا من المعارضة، فعندما استدعى الكونغرس مؤسس الفيس بوك مارك زوكربيرغ مرارا  للاستماع إليه ومساءلته بشأن الكثير من القضايا - وكلنا نعرف من هو مارك زوكربيرغ وماذا قدم للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم - لم يتضامن معه أحد، ولم يفهم ذلك على أنه مؤامرة أو استهداف لقطاع التكنولوجيا، بل ممارسة طبيعية لحق الرقابة والمساءلة، والأمر نفسه ينطبق على الفن، فطرح الأسئلة حول طريقة تدبير القطاع، أو أوجه صرف الدعم، أو جدوى السياسات الثقافية والفنية الحالية، لا ينبغي أن يُفهم تلقائيا على أنه استهداف للفنانين أو عداء للفن.  

فرغم أن جزءا من كلام سيادة البرلماني المحترم سطحي وإيديولوجي لا يعبر عن عمق الأزمة، إلا أن بعضا من نقطه مهمة وكان من الممكن البناء عليها، والانطلاق منها لمساءلة الوزارة الوصية بجدية وصرامة، فالمجال السينمائي لدينا يعتمد بشكل شبه كلي على الدعم العمومي، إذاً من الطبيعي أن يُطرح السؤال حول حصيلة هذا الدعم، وكيف يُصرف، وما هي نتائجه الفعلية على أرض الواقع، ومن حق المواطن أن يعرف ماذا حققت عشرات السنين من التمويل العمومي للقطاع، وهل ساهمت في خلق صناعة سينمائية حقيقية قادرة على الاستمرار والتطور، أم أنها ما تزال تدور في الحلقة ذاتها، ولا تستفيد منها سوى الأسماء نفسها، بينما يظل الجمهور بعيدا عن المعادلة.  

كان بالإمكان أن يتحول النقاش إلى فرصة لمراجعة السياسات الثقافية والفنية برمتها، لكن للأسف سقطنا في فخ الشخصنة من كلا الجبهتين، وأضعنا فرصة الوقوف على الواقع المرير الذي يعيشه المجال، ولو انتفض عشرة في المائة من هؤلاء المتضامنين -وهذا حق مكفول طبعا لو كان مدروسا ونابعا من قناعة تامة وموقف ناضج- ضد السياسة المتبعة والمتحكمة في القطاع، لنصلح الحال وتراجعت الاختلالات، ولكان وضع الفن اليوم بكل أجناسه افضل بكثير، فالأشخاص مهما كانت قيمتهم ومكانتهم، عابرون، أما المؤسسات فهي الأبقى، لذلك فإن الدفاع الصادق عن الفن لا يكون بالدفاع عن الأشخاص فقط، بل بالدفاع عن حق الفن نفسه في الوجود،  وتوفير بيئة سليمة له تسمح له بالنمو بعيدا عن المجاملات، والمصالح الشخصية، والاصطفافات الشللية الضيقة.