رياضة

الحضيض سماؤنا..

يونس الخراشي (صحفي)

بذريعة أن الجمهور لا يمكنه الصعود، هبطت لغة قطاع كبير من "الصحافة الرياضية". وجر هبوط هبوطا، إلى أن صار شبه مستحيل وقف الانحدار. وبالنتيجة، لم يعد ممكنا معرفة النقطة التي يقف عندها "خطاب الجماهير" ويبدأ "خطاب الصحافة". والعكس صحيح.

لغة "الصحافة الرياضية"، وبخاصة عند الحديث عن كرة القدم، "حربية" بامتياز. فهي تدور كلها في "ساحات مدمرة"، حيث الهجوم، والدفاع، والتكتيك، والاستراتيجية، والخطة، والضربة، والركلة، والصاروخية، والجزاء، وفي أحيان حتى القتالية. 

المصيبة أن "حماسة" بعض الإعلاميين، خاصة ممن يصرخون عوض أن يصفوا ما يشاهدون، ويسهموا في تحليله، تزيد تلك اللغة "حربية"، لتسهم بذلك في التخريب عوض أن تكون رافعة للبناء. وقد لا تفرق بين واصف لمباراة في الكرة وأي مخاصم يفجر في الشارع.

ولأن الأمر كذلك، يمكن للمرء أن يستشف مدى الرابط الوثيق بين تنامي الخطاب العنيف لدى جملة من الجماهير وبعض الوسائط الإعلامية. فكل منهما يمتح من لغة الآخر، وكأن الأمر يتعلق بمعجم واحد لا غير. وكأن الأمر يتعلق بتواطئ.

سئل الفنان محمد الدرهم، من قناة تلفزيونية مشرقية، عن قضية "الجمهور عاوز كده". فقال الفنان ما معناه، إنها جملة خاطئة. فالفنان هو من يختار، لأنه صاحب الموهبة والفرادة. ولو أن الاختيار كان للجماهير، لكان معنى ذلك أن كل فرد من الجمهور فنان. وهذا ليس صحيحا نهائيا.

وإن جاز لنا أن نقيس بما قاله الفنان محمد الدرهم، سيصح أن نقول بأن تلك "الصحافة الرياضية" الهابطة ارتكبت خطأ في حق المهنة، وفي حق الجمهور معا. ذلك أنها تخلت عن واحدة من المسؤوليات الملقاة على عاتقها في أن تسمو بالجماهير، لا أن تنصاع لها ولرغباتها، وخطابها. 

لا نقول ذلك لقصور لدى تلك الجماهير، بل لأنها ليست هي الصحافة. وعندما تتخلى هذه الأخيرة عن دورها بذريعة أن "الجمهور عاوز كده"، فإنها تغادر موقعها، لتجلس مع الجمهور. وهذا ليس دورها، ولا مطلوبا منها. وبالنتيجة، فليس هو ما تنتظره منها الجماهير؛ أي أن المقولة خاطئة، ومن عمل بها واهم.

من بين ما ترتب عن تنامي الخطاب العنيف، ولا سيما في ظل الفورة الرقمية، أن صار ما يقال وما يكتب، وهو غير عادي، عاديا جزئيا أو كليا. وبينما كانت حوادث "الشغب"، الممقوتة، تحدث في بعض الأحيان، ولفترات متباعدة جدا، صارت تحدث بتواتر، بل وصار ممكنا توقعها، من خلال التناقر الذي يسبق بعض المباريات على مواقع "السوشل ميديا"، وتغذيه بعض الوسائط الإعلامية الهابطة.

اللغة ليست لعبة. إنها حياة. وتلك الحياة إما أن تكون مثمرة أو مدمرة. ولأن الصحافة تشتغل على هذه المادة، فكلما كانت حريصة على أن تسمو بها، فإن من يتغذون عليها ينالهم السمو. وفي الحقل الرياضي، حيث اللغة "حربية" بامتياز، يؤدي الميول إلى الوصف الهادئ، والتحليل المميز، إلى إخماد "حربية" المصطلح، ووضعه في الإطار السليم، مما يشجع الملتقين على التعاطي معه بهدوء، ودون أي تشنجات.

العكس بالعكس صحيح. فعندما تقرأ، مثلا، وعلى هامش مباراة بين المنتخبين المغربي والمصري إنها "معركة أكتوبر"، فقط لتزامنها مع الاحتفال بذكرى المعركة الشهيرة، لأكتوبر 1973، فما الذي تنتظره من الجماهير في الملعب وخارجه، سوى أن تكون على أهبة الخصام، والفجور فيه؛ سواء أكانت النتيجة إيجابية لهذا الطرف أو ذلك، أو لم تكن كذلك لأي منهما؟

وقس على ذلك في الكثير من المناسبات، حيث تتحول لغة الوصف، أو المقالة، أو غيرهما، إلى لغة للتسفيه والتتفيه، وحتى التحقير، فإن هذا يضر بمصلحة المهنة، والجمهور، وبالضرورة بمصلحة الرياضة التي يدور حولها موضوع الوصف، وتؤدي الثمن غاليا في نهاية المطاف. وأقل ما تؤديه الفرق الآن، أنها تحرم من جمهورها، بفعل الشغب.

إن اللغة والرياضة يشبهان بعضهما في الواقع. فكلاهما سام بطبعه. اللغة سمو بالإنسان عن سائر المخلوقات، والرياضة سمو به عن نفسه الخاملة الراكدة. ولا يصح أن يستعمل ما هو سام في غير موضعه، ثم يطلب منه أن يكون نفسه. فهل يمكن لمباراة في التنس، مثلا، أن تجرى بدون شبكة ومضربين؟ إن صح ذلك، فمعناه أنه يمكن للغة أن تستعمل فقط في السب والقذف، ثم يتخلى عنها حين يتعلق الأمر بنظم قصيدة أو كتابة رسالة.

هذا هو بيت القصيد. ومن هنا يتضح، وبالدليل، أن تلك "الصحافة الرياضية" الهابطة توجد خارج السياق تماما؛ أي أنها تؤدي دورا لم توجد لأجله في الواقع. ومعناه أنها تؤدي الدور الخطأ. وبالنتيجة، فكلما أوغلت فيه، وصار يبدو لها وللمتلقي، وللناقد، أمرا عاديا، كلما صار شبه مستحيل أن تنقذ نفسها منه، لتكون حيث ينبغي لها.

لكل مكانه. ولن تقبل الجماهير يوما، ولا ينبغي لها أن تقبل، بالجلوس مكان "الصحافة الرياضية". وهي تستنجد بالأخيرة لكي ترى إن كان ما شاهدته وسمعته صحيحا، ولكي تعرف الجديد، ولكي تطمئن بأن الأوضاع غير السليمة ستصحح. وحتى في ظل وجود "السوشل ميديا"، فإن الجماهير، غير ممكنة من الوسائل المهنية للصحافي، فهي تنتج المادة الأولية، وليس المادة الصحفية. وفرق كبير بين الاثنين.

من قال إن "الجمهور عاوز كده"؟ من هذا الذي كذب ويكذب على نفسه وعلى الناس؟