شكل اللقاء الفكري الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني بمدينة سلا، مساء الثلاثاء 23 يونيو 2026، مناسبة سانحة لمحمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لتشريح الراهن السياسي والاجتماعي بالمغرب.
وعرف اللقاء الذي أداره رئيس المؤسسة بوبكر الفقيه التطواني، وحضره ثلة من الإعلاميين والفاعلين تحت شعار "المشهد السياسي المغربي: بين انتظارات المجتمع ورهانات المشاركة"، إطلاق زعيم حزب "الكتاب" لجملة من المواقف النقدية الحادة تجاه الأداء الحكومي، كاشفاً في الوقت ذاته عن كواليس وخبايا برلمانية مثيرة ترتبط بآليات الرقابة الدستورية.
كواليس محاصرة "لجنة الفراقشية" وتضارب المصالح
وفجر نبيل بنعبد الله مفاجأة من العيار الثقيل كشف من خلالها عن كواليس المساعي البرلمانية لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لـاستيراد المواشي، أو ما بات يُعرف بـ "ملف الفراقشية".
وأكد بنعبد الله أن عدداً من نواب الأغلبية الحكومية تعرضوا لتهديدات ومضايقات مباشرة من قبل قيادات أحزابهم لثنيهم عن التوقيع لصالح إحداث هذه اللجنة الرقابية، رغم وجود رغبة جادة وقوية لدى هؤلاء النواب للانخراط في المبادرة واستيفاء الشروط الدستورية التي تتطلب موافقة ثلث أعضاء مجلس النواب.
واعتبر المتحدث أن الاختلالات التي شابت دعم استيراد رؤوس المواشي لسد النقص في القطيع تأتي على رأس الملفات التي تفضح تضارب المصالح واقتصاد الريع لدى الحكومة الحالية، داعياً إلى تسريع إخراج هذه اللجنة إلى حيز الوجود لضيق الآجال القانونية والزمنية الفاصلة عن نهاية الولاية التشريعية.
نقد لاذع للحكومة وبدائل سياسية واجتماعية
وفي سياق تقييمه لأداء الجهاز التنفيذي، وجه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية انتقادات شديدة للحكومة بفعل ما وصفه بعجزها عن لجم الغلاء الفاحش وتأمين أضاحي العيد بأسعار مناسبة للمواطنين، علاوة على ارتباكها الواضح في تدبير ورش تجويد قطاعي التعليم والصحة العموميين.
واستنكر بنعبد الله سعي الأغلبية العددية إلى تقييد دور المعارضة وإفراغ أدواتها الدستورية من محتواها عبر إسقاط معظم مقترحات القوانين.
وبالمقابل، شدد المتحدث ذاته على أن حزبه لا يمارس المعارضة من أجل المعارضة، بل يقدم عرضاً انتخابياً متكاملاً يتضمن برنامجاً واقعياً لإصلاح منظومتي التعليم والصحة، ومحاربة الفساد، ورفع المعاشات الهشة لتوازي الحد الأدنى للأجور، تفعيلاً للصلاحيات الدستورية لرئاسة الحكومة.
قضية الصحراء المغربية وانتقالات "الدقيقة 90"
وعلى صعيد القضية الوطنية الأولى، ثمن بنعبد الله سداد الرؤية الملكية والدبلوماسية المغربية التي تكللت بإقرار مجلس الأمن الدولي بمبادرة الحكم الذاتي كأرضية وحيدة وجادة لإنهاء هذا النزاع المفتعل.
وأوضح أن التنزيل المرتقب لهذا الورش بالأقاليم الجنوبية يتطلب بالضرورة تمتين الجبهة الداخلية، وترسيخ البناء الديمقراطي عبر أحزاب قوية ومستقلة.
وفي تقييمه للتحولات السياسية، توقف المتحدث عند اسم فوزي لقجع، واصفاً إياه بالشخصية الكفؤة ذات الحضور السياسي البارز، لكنه نبه في الوقت نفسه إلى أن الالتحاقات الحزبية المتأخرة، أو ما سماها بالالتحاق في "الدقيقة 90"، تضرب مصداقية المسارات التدريجية والطبيعية داخل التنظيمات السياسية وتطرح حولها الكثير من علامات الاستفهام.
عودة بودرا لحزب "الكتاب"
ولم يخل اللقاء من التطرق لملف التنظيم الداخلي لحزب التقدم والاشتراكية، حيث برر بنعبد الله قرار إرجاع القيادي محمد بودرا لصفوف الحزب بعد تجربة قضاها داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
وأوضح زعيم "الكتاب" أن هذا القرار جاء ثمرة نقاش معمق بالمكتب السياسي استلهم المسار النضالي لبودرا ونظافة ذمته المالية خلال ترؤسه لجماعة الحسيمة وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وأشار بنعبد الله بجرأة إلى أن بودرا كان في مرحلة معينة ضحية لضغوطات سياسية فوقية دفعته للمغادرة، مؤكداً أن اعتذار بودرا ورغبته في العودة تم التعامل معهما بمرونة سياسية وواقعية تبتعد عن الجمود التاريخي.
حتمية الترجل والرهان على مصالحة الشباب
واختتم نبيل بنعبد الله حديثه ببعث رسائل مباشرة حول مستقبله السياسي ومستقبل المشهد الحزبي العام؛ فبخصوص استمراره في قيادة الحزب بعد أربع فترات انتدابية، أكد بنعبد الله على حتمية ترجله من صهوة الأمانة العامة، تاركاً للمؤتمر القادم للحزب مهمة البحث عن اسم جديد يحظى بالإجماع ويملك الكفاءة للحفاظ على وحدة التنظيم.
وجدد زعيم "الرفاق" نداءه لشباب المغرب بضرورة القطع مع العزوف والعودة للانخراط الجاد في الحياة السياسية والعامة، معتبراً أن المشاركة السياسية الواسعة والانتخابية تظل المدخل الأساسي والمحوري لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة، وتغيير السياسات العمومية، وبناء مغرب ديمقراطي قوي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.






