مجتمع وحوداث

فخاخ القراءة الثانية بين اللايقين التشريعي واليقظة الاستراتيجية، أي منهجية للقيادة المهنية؟

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

اليوم يمكن القول بأن النقاش قد انتقل إلى احتمالاته التراكمية أو الصفرية، أي مرحلة القراءة الثانية اللايقينية، وذلك ضمن سياق ومنطق “التفاوض غير المتكافئ” في إنتاج التشريع، حيث لا يكون الهدف والخلفية القصدية فقط تمرير نص قانوني، بل إعادة توزيع مواقع القوة داخل الحقل المهني والمؤسساتي عبر جولات متتابعة.

وكثير منا سوف يستعير من التجربة تعبير “سياسة حلوف كرموس” الذي يحمل دلالة رمزية واضحة: إغراء قصير المدى (كرموس) مقابل ثمن استراتيجي أكبر يُدفع لاحقًا. وبهذا المعنى، فالخطر ليس في كل تنازل جزئي، بل في تحوله إلى نمط تفاوضي يُفكك القدرة الجماعية على رؤية الصورة الكاملة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم “اللعبة الصفرية” باعتبارها محاولة لإعادة تأطير الصراع من كونه نقاشًا حول هندسة منظومة العدالة أو تنظيم مهنة المحاماة، إلى مجرد مقايضة مرحلية: تحسينات محدودة هنا، مقابل قبول تراجعات بنيوية هناك، خصوصًا إذا كانت مرتبطة بإضعاف التوازن بين الغرف التشريعية أو إعادة تعريف وظيفة التمثيل داخل المؤسسة التشريعية.

لكن من زاوية تحليلية أوسع، ليست كل جولة تشريعية “فتاتًا” بالضرورة، وليست كل التنازلات التكتيكية فخًا استراتيجيًا. الفاصل الحاسم هو: هل توجد رؤية تراكمية لدى الفاعل المهني؟ هل يتم تحويل كل مكسب جزئي إلى رصيد تفاوضي لاحق، أم إلى نهاية اللعبة؟

إن الخطر الحقيقي في مثل هذه الوضعيات لا يكمن فقط في “ذكاء ماكيافيلي” للفاعل الحكومي، بل أيضًا في تشتت الجبهة المقابلة إذا لم تمتلك سردية موحدة: سردية تعتبر التشريع مجالًا لصراع المعنى والشرعية والتمثيل، وليس مجرد تحسين شروط آنية.

ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: ما الذي يجب تعديله؟ بل أصبح: كيف ينبغي للقيادة المهنية أن تدير هذه المرحلة في ظل تباين المقاربات وتنازع المصالح البينية ولو كانت تبدو طفيفة؟ فالصراع الفكري والقانوني ليس دائمًا عموديًا، فهو أفقي حتى لا نقول إنه عرضاني!

ومن هذه الزاوية، يمكن اقتراح منهجية تفاوضية واستراتيجية تقوم على المبادئ التالية:

 أولاً، التمييز بين الثابت والمتغير: فليس كل ما ورد في المشروع من طبيعة واحدة. هناك مقتضيات تمس جوهر استقلال المهنة ووظائفها الدستورية وضمانات الدفاع، وهذه ينبغي اعتبارها خطوطاً حمراء غير قابلة للمقايضة. وفي المقابل، توجد مقتضيات تنظيمية أو تقنية يمكن أن تكون مجالاً للاجتهاد والتوافق والتدرج.

 ثانياً، الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق بناء الأجندة: فبدل الاكتفاء بالتعليق على ما يقترحه الآخرون، ينبغي للقيادة المهنية أن تقدم تصوراً متكاملاً ومعللاً لمشروع المهنة، مدعوماً بالحجج الدستورية والحقوقية والمقارنة، حتى يصبح النقاش حول ما تقترحه المهنة لا حول ما يُعرض عليها فقط.

 ثالثاً، اعتماد التفاوض التراكمي بدل المقايضة الظرفية: فالقراءة الثانية ليست مناسبة للحصول على مكاسب جزئية مقابل التنازل عن رهانات استراتيجية. المطلوب هو تقييم كل تعديل في ضوء أثره على المنظومة ككل، وليس في ضوء المكسب المباشر الذي يحققه. فالتنازل التكتيكي المقبول هو ما يخدم هدفاً استراتيجياً أكبر، أما التنازل الذي يضعف موقع المهنة مستقبلاً فيبقى مكلفاً مهما بدا مغرياً في الحاضر.

 رابعاً، بناء وحدة سردية مهنية: إذ من الضروري أن تتحدث المؤسسات المهنية والهيئات والنقباء والفعاليات المختلفة بلغة مشتركة حول الأولويات الجوهرية. فغالباً ما تستفيد مشاريع الإصلاح المثيرة للجدل من تشتت المواقف أكثر مما تستفيد من قوة حججها الذاتية.

 خامساً، الاشتغال بمنطق السيناريوهات: فالقيادة المهنية مطالبة بإعداد تصور لكل الاحتمالات الممكنة: قبول التعديلات، رفضها، إدخال تعديلات جديدة، أو إعادة المشروع إلى مجلس المستشارين. فالتفكير التوقعي لا ينتظر الوقائع، بل يستعد لها قبل وقوعها.

 سادساً، ربط الدفاع عن المهنة بالدفاع عن العدالة: فكلما تم تقديم المطالب باعتبارها مطالب فئوية ضيقة، ضعفت قدرتها على الإقناع. أما حين يتم تأطيرها باعتبارها مرتبطة بضمان الحق في الدفاع وجودة العدالة والأمن القانوني والقضائي للمواطنين، فإنها تكتسب مشروعية أوسع داخل المجتمع ومؤسسات الدولة.

وأخيراً، فإن الحكمة الاستراتيجية في هذه المرحلة تقتضي ألا تنشغل القيادة المهنية فقط بما يمكن أن تربحه في القراءة الثانية، بل أيضاً بما ينبغي ألا تخسره على المدى البعيد. فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد المواد التي يتم تعديلها، وإنما مدى المحافظة على مكانة المحاماة كفاعل مستقل وشريك دستوري في تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات.

وبعبارة مكثفة: المنهجية المطلوبة هي الانتقال من تدبير معركة مواد قانونية إلى تدبير معركة مواقع ومعانٍ ووظائف داخل منظومة العدالة، بمنطق تفاوض تراكمي واستشراف استراتيجي لا بمنطق المقايضة الآنية أو لعبة المكاسب والخسائر الصفرية.