في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل المشاركة السياسية بالمغرب، يضع تقرير استراتيجي جديد أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) أزمة الثقة في صلب المشهد الحزبي، معتبراً أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بنسب المشاركة في الانتخابات، بل بقدرة المؤسسات السياسية على استعادة ثقة ملايين المواطنين الذين اختاروا البقاء خارج صناديق الاقتراع.
ويكشف التقرير، الصادر تحت عنوان "المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035"، أن أكثر من 16 مليون مغربي يوجدون خارج العملية الانتخابية، وهو ما يجعل ما يسميه بـ"الفئة الصامتة" أكبر قوة مؤثرة في المشهد السياسي، ليس من خلال التصويت، وإنما من خلال العزوف عن المشاركة.
ولا يقرأ التقرير هذا المعطى باعتباره رقماً انتخابياً فقط، بل يربطه بجملة من المؤشرات التي تعكس، وفق تحليله، أزمة بنيوية في الوساطة السياسية، إذ لم تتجاوز نسبة التصويت الفعلية 35 في المائة من مجموع المواطنين المؤهلين قانونياً، أي نحو 8.8 ملايين ناخب من أصل 25.23 مليون مواطن، بالتزامن مع تراجع مستوى الثقة في الأحزاب السياسية إلى 18 في المائة.
ويعتبر التقرير أن ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، والتي بلغت 37.2 في المائة لدى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، أسهم في تعميق الشعور بالاغتراب السياسي، ودفع جزءاً مهماً من الشباب إلى البحث عن فضاءات بديلة للتعبير والمشاركة عبر المنصات الرقمية، في وقت لم تعد فيه آليات العمل الحزبي التقليدية قادرة، بحسب التقرير، على استقطاب هذه الفئة.
كما يرى التقرير أن التحولات التي شهدتها نتائج الانتخابات التشريعية بين سنتي 2016 و2021، بعدما تراجع الحزب المتصدر من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً، تعكس هشاشة الولاء الحزبي وهيمنة التصويت الظرفي والعقابي، أكثر مما تعكس استقراراً في الاختيارات السياسية للناخبين.
ورغم هذه المؤشرات، يشير التقرير إلى أن المغرب ما يزال يحتفظ بهامش من الاستقرار المؤسساتي مقارنة بعدد من دول المنطقة، حيث بلغت نسبة المشاركة، مقارنة بعدد المسجلين، 50.35 في المائة، متجاوزة تونس والجزائر، وهو ما يراه أرضية يمكن البناء عليها لإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يقترح التقرير خارطة طريق تمتد إلى غاية سنة 2035، تقوم على الانتقال من الديمقراطية التمثيلية التقليدية إلى ما يسميه "المشاركة الذكية"، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية المفتوحة لتتبع تنفيذ الوعود الانتخابية، وتوسيع المشاورات العمومية، وتعزيز الشفافية، إلى جانب إحداث مرصد وطني مستقل لقياس المشاركة والثقة وتجديد النخب.
وبحسب التقرير، فإن نجاح هذه الرؤية يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين، من مؤسسات وأحزاب وإعلام ومجتمع مدني، على تحويل التكنولوجيا من مجرد أداة رقمية إلى وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، باعتبارها المدخل الأساسي لتعزيز المشاركة الديمقراطية خلال السنوات المقبلة.






