سياسة واقتصاد

حين يعود الاستعمار من بوابة الجنسية

عبدالحميد البجوقي (روائي وصحفي وجمعوي وسياسي مغربي)
يبدو النقاش الدائر حول مشروع القانون الإسباني المتعلق بمنح الجنسية لبعض الصحراويين وكانه نقاش قانوني وإجرائي حول فئة من الأشخاص الذين ولدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية. لكن خلف هذا النقاش، الذي اتخذ في بعض جوانبه طابعاً سياسياً صاخباً، توجد مسألة أعمق بكثير ماذا يعني أن تعود إسبانيا، بعد نصف قرن تقريباً، إلى تحديد من كان إسبانياً ومن يمكن أن يصبح إسبانياً من أبناء إقليم لم تعد تسيطر عليه ؟

المفارقة أن جزءاً كبيراً من الجدل الحالي يبدو منفصلاً عن الوقائع التاريخية التي أنتجت هذه المسألة أصلاً. فالصحراء، خلال المرحلة الإسبانية، لم تكن دولة مستقلة كانت إسبانيا تحتلها بالمعنى القانوني الذي يستعمل اليوم في الخطاب السياسي، بل كانت إقليماً خاضعاً للإدارة الإسبانية، وكان سكانها مرتبطين بدرجات مختلفة بالنظام الإداري والقانوني الإسباني. ولذلك فإن مسألة الجنسية بالنسبة إلى من ولدوا في تلك الفترة ليست مجرد تجنيس صحراويين، كما يوحى التعبير السياسي المتداول، وإنما هي في جانب مهم منها إعادة ترتيب لوضع قانوني نشأ في زمن الإدارة الإسبانية للإقليم.

وهنا تكمن أولى المفارقات الكبرى في النقاش الحالي

الإحصاء الذي عاد من الماضي

في سنة 1974، وفي سياق استعداد إسبانيا لتنظيم استشارة سكانية حول مستقبل الصحراء، أجرت الإدارة الإسبانية إحصاء سكانياً واسعاً شمل المدن والمراكز والبوادي وانتهى إلى تعداد بلغ 73,497 نسمة. كان ذلك الإحصاء، المعروف لدى الصحراويين باسم "سينسو"، جزءاً من ترتيبات سياسية أرادت مدريد من خلالها الاستعداد لمرحلة جديدة في الإقليم.

لكن المشروع الإسباني لم يكتمل. وبعد أشهر قليلة فقط، كانت إسبانيا تنسحب من الصحراء، بينما تحول الإقليم إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث.

المفارقة التاريخية أن الإحصاء الذي كان يفترض أن يكون أداة في مشروع سياسي إسباني أصبح لاحقاً وثيقة ذات أهمية في مسار مختلف تماماً. فقد عاد "سينسو" ليشكل أحد المراجع الأساسية في النقاش الأممي حول تحديد هوية السكان المؤهلين للمشاركة في عملية تقرير المصير. وعندما باشرت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة بـ"مينورسو"، عملها بعد وقف إطلاق النار سنة 1991، أصبح الإحصاء الإسباني نفسه إحدى الوثائق المرجعية في عملية تحديد الهوية.

وهكذا، فإن الرقم الذي وضعته الإدارة الإسبانية سنة 1974 لم يختف مع خروجها من الإقليم، بل ظل حاضراً في ملفات الأمم المتحدة وفي الذاكرة السياسية والقانونية للنزاع.

والأكثر دلالة أن المعطيات التي أفرزتها عملية تحديد الهوية في تسعينيات القرن الماضي أظهرت أن نحو 61 ألف شخص من الأحياء المشمولين بإحصاء 1974 كانوا موزعين بين مناطق مختلفة: نحو 28 ألفاً في الأقاليم الصحراوية الواقعة تحت الإدارة المغربية ونحو 27 ألفاً في مخيمات تندوف، إضافة إلى أعداد أقل في باقي المغرب وموريتانيا.

وهنا بالضبط يصبح الرقم 28 ألفاً أكثر من مجرد رقم.

إنه يذكر بأن الجزء الأكبر من السكان الذين كانوا مدرجين في الوثيقة الإسبانية الأصلية لم يكونوا في واقعهم السياسي والجغرافي خارج المغرب، بل كان جزء مهم منهم يعيش داخل الأقاليم الصحراوية التي يديرها المغرب اليوم.

هل سيغير القانون شيئاً على الأرض؟

على الأرجح، لا.

وهذه هي النقطة التي تضيع وسط الضجيج السياسي والإعلامي.

حتى لو تم اعتماد القانون الإسباني، فإن ذلك لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لن يعيد الإدارة الإسبانية إلى الصحراء، ولن ينشئ وضعاً سيادياً جديداً، ولن يغير الخريطة، ولن يمنح إسبانيا أي سلطة فعلية على الإقليم، ولن يغير واقعاً جيوسياسياً كرسته عقود من التطورات السياسية والقانونية والدبلوماسية.

الجنسية الإسبانية، حتى لو منحت لفئة محددة من الأشخاص وفق شروط القانون، تظل علاقة قانونية بين الدولة الإسبانية والفرد. وهي لا تتحول بمجرد وجودها، إلى سند للسيادة على الأرض.

بل إن تحويل المسألة إلى ملف جنسية قد يؤدي paradoxically، إلى نتيجة عكسية لما يريده بعض أنصار توظيفه سياسياً.

فإذا قالت إسبانيا إن هؤلاء الأشخاص يستحقون الجنسية لأنهم كانوا مرتبطين بالإدارة الإسبانية وبالنظام القانوني الإسباني في الفترة التي كانت فيها الصحراء تحت إدارتها، فإنها تكون من حيث لا تريد ربما تستحضر بنفسها طبيعة العلاقة التاريخية التي كانت

تربطها بالإقليم وسكانه.

وهذا ليس تفصيلاً.

لأن الاعتراف بأن إسبانيا هي التي كانت صاحبة الإدارة في تلك المرحلة، وأن السكان كانوا يتمتعون بوضع قانوني مرتبط بتلك الإدارة، يضع القضية في إطار تاريخي مختلف عن السردية التي تحاول تصوير الأمر وكأنه مجرد علاقة مستمرة بين إسبانيا و "شعب صحراوي" منفصل تماماً عن المجال المغربي.

قد تكون مشكلة للسردية الانفصالية 28000

ثمة مفارقة أخرى أكثر حساسية.

إذا أعيد فتح الملف على أساس الوثائق الإسبانية نفسها، فسيكون من الصعب تجاهل أن الإحصاء الذي تستند إليه العملية يضع آلافاً من الأشخاص الذين كانوا مسجلين في 1974 داخل الأقاليم الصحراوية التي أصبحت تحت الإدارة المغربية.

وبالتالي فإن استعادة الوثائق الإسبانية القديمة لا تعمل بالضرورة في الاتجاه الذي يرغب فيه الخطاب الانفصالي.

على العكس، يمكن للمغرب أن يقول ببساطة: إذا كان إحصاء إسبانيا نفسه هو المرجع وإذا كان جزء كبير من أولئك المسجلين فيه يعيش اليوم داخل الأقاليم الصحراوية فلماذا يستعمل الإرث الإداري الإسباني لإعادة إنتاج سردية تفترض وجود قطيعة كاملة بين هؤلاء السكان والمغرب؟

بل يمكن أن يذهب النقاش أبعد من ذلك.

فالقانون الإسباني، إذا صيغ باعتباره تصحيحاً لوضع تاريخي نشأ أثناء الإدارة الإسبانية، قد يتحول إلى اعتراف ضمني بأن العلاقة التي تستعاد اليوم هي علاقة استعمارية تاريخية انتهت بانسحاب إسبانيا، وليست علاقة سيادية مستمرة تسمح لمدريد بالتعامل مع الصحراء وكأنها ما زالت مجالاً من مجالات اختصاصها.

وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات السياسية في الموضوع.

كلما أعادت إسبانيا فتح ملفاتها القديمة باعتبارها ملفات استعمارية، أعادت أيضاً التذكير بأن الاستعمار انتهى وأن الإدارة الإسبانية غادرت الإقليم.

الجزائر والأقدام السوداء": هل نحن أمام استعادة للذاكرة نفسها؟

ربما يكون التشبيه مع الجزائريين الأوروبيين الذين غادروا الجزائر بعد الاستقلال المعروفين تاريخياً باسم Pieds-noirs، مفيداً لفهم البعد الرمزي للمسألة، مع الانتباه إلى أن السياقين ليسا متطابقين.

بعد استقلال الجزائر، ظلت فرنسا لسنوات طويلة تحمل إرثاً قانونياً وسياسياً وإنسانياً ثقيلاً مرتبطاً بمئات الآلاف من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من المجتمع الاستعماري الفرنسي وغادروا الجزائر إلى فرنسا. وظلت قضية الذاكرة الاستعمارية حاضرة في السياسة والقانون والهوية الفرنسية.

أما في الحالة الصحراوية، فإن استعادة ملف الجنسية الإسبانية بعد عقود من الانسحاب من الإقليم يمكن أن تقرأ رمزياً، باعتبارها عودة إلى أرشيف الاستعمار وإلى أسئلته التي لم تغلق بالكامل.

ليس المقصود أن الصحراويين هم الأقدام السوداء"، فهذا تشبيه غير دقيق اجتماعياً وتاريخياً. المقصود هو آلية أخرى استدعاء الدولة المستعمرة السابقة لوضعيات قانونية

نشأت في ظل استعمارها بعد مرور عقود على انتهاء ذلك الاستعمار.

وهنا يصبح السؤال المشروع: هل تريد إسبانيا معالجة ظلم قانوني محدد أصاب أفراداً بسبب تعقيدات انتقال السيادة والإدارة، أم أنها تعيد، ولو بصورة غير مقصودة، إنتاج حضور رمزي للمرحلة الاستعمارية ؟

المشكلة ليست في الجنسية بل في ما يحيط بها

من حق أي دولة أن تراجع قوانين جنسيتها وأن تعالج أوضاع أشخاص ولدوا في ظروف قانونية استثنائية. وليس من المنطقي، في حد ذاته، أن ينظر المغرب إلى حصول بعض الصحراويين على الجنسية الإسبانية باعتباره عملاً عدائياً.

فالجنسية الإسبانية لا تعني بالضرورة موقفاً سياسياً من قضية الصحراء، كما أن امتلاك شخص الجنسيتين لا يجعله تلقائياً أداة في مشروع سياسي.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الجنسية من حق فردي إلى أداة لإعادة بناء هوية سياسية جماعية.

وهنا ينبغي للمغرب أن يكون أكثر هدوءاً، لا أكثر انفعالاً.

ليس من مصلحته أن يواجه المشروع باعتباره مؤامرة كبرى ضد وحدته الترابية. فذلك يمنحه، من حيث لا يقصد، حجماً سياسياً أكبر مما يستحق. كما أن الانخراط في خطاب يربط كل حامل للجنسية الإسبانية بمشروع سياسي انفصالي سيكون خطأ استراتيجياً.

الأفضل هو تفكيك المسألة من داخل منطقها القانوني والتاريخي.

إذا كان الأمر يتعلق بتسوية أوضاع أفراد كانوا مرتبطين قانونياً بالإدارة الإسبانية، فليكن ذلك في هذا الإطار.

أما إذا حاول أحد تحويل القانون إلى اعتراف سیاسی بوجود "جنسية صحراوية" أو شعب منفصل" أو إلى استمرار لنوع من الاختصاص الإسباني على الإقليم، فهنا يصبحالرد المغربي ضرورياً وواضحاً.

فشل جديد أم استعادة للملف الاستعماري؟

ربما يكون عنوان 28 ألفاً وألف فشل" جذاباً سياسياً، لكنه لا يعكس كل عمق المفارقة.

الفشل الحقيقي ليس في رقم 28 ألفاً، ولا في مشروع قانون قد لا يغير شيئاً على الأرض. الفشل الأعمق هو أن إسبانيا، بعد أكثر من نصف قرن من مغادرتها للصحراء، ما زالت تجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى وثائق إدارتها الاستعمارية لتسوية قضايا

ترتبت على تلك المرحلة.

لقد خرجت إسبانيا من الصحراء، لكنها لم تخرج تماماً من أرشيفها.

وكلما عادت مدريد إلى ذلك الأرشيف، عادت معها أسئلة المسؤولية التاريخية ماذا كان وضع الإقليم؟ من كان يديره؟ ما الوضع القانوني لسكانه؟ وماذا حدث للالتزامات التي تركتها وراءها عند الانسحاب؟

وهذا تحديداً هو الجانب الذي ينبغي للمغرب أن يستثمره سياسياً وقانونياً، بدل الدخول في حالة دفاع مرتبكة.

فالمشروع، إذا بقي في حدود معالجة أوضاع قانونية فردية، لن يغير شيئاً جوهرياً. وإذا تحول إلى نقاش حول السيادة، فقد يجد المغرب نفسه أمام فرصة لإعادة طرح السؤال الذي يجب أن يكون في صلب أي نقاش إسباني هل تتعامل إسبانيا مع الصحراء

باعتبارها قضية استعمارية تركتها وراءها أم باعتبارها مجالاً لا تزال لها فيه

مسؤوليات سياسية خاصة ؟

الفرق بين الأمرين جوهري.

وفي كل الأحوال، فإن استعادة الوثائق الإسبانية القديمة، وعلى رأسها إحصاء 1974،

قد لا تكون بالضرورة خبراً سيئاً للمغرب.

فالتاريخ الذي يستعاد من الأرشيف لا يمكن انتقاؤه دائماً.

من يستدعي "سينسو" لاستعادة الجنسية، يستدعي معه أيضاً كل ما يقوله "سينسو" عن طبيعة الوجود الإسباني في الصحراء وعن نهاية ذلك الوجود.

وربما يكون هذا هو الوجه الأكثر إثارة للمفارقة في مشروع القانون: أنه قد يبدو، في ظاهره محاولة لإعادة وصل الماضي بالحاضر، لكنه قد ينتهي إلى تثبيت حقيقة مختلفة تماماً، أن إسبانيا كانت هناك، وأنها غادرت، وأن ما بقي لها اليوم هو مسؤولية الذاكرة والقانون، لا سلطة الأرض والسيادة.