مع بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل وماي 2027، و في ظل وضع سياسي محتقن و ملفات شائكة، تخوض فرنسا سباقا يغيب عنه الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون بعد قضائه ولايتين متتاليتين، مما يلغي خيار ( المرشح الرئيس)، ويفتح الإليزيه أمام منافسة يطبعها الترقب و القلق. وبين تآكل الأحزاب التقليدية وصعود اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، ترسم ملامح مرحلة سياسية جديدة ستحدد وجه البلاد للسنوات القادمة.
يعتمد النظام الرئاسي الفرنسي على الاقتراع المباشر بنظام الدورين؛ وهو نظام يهدف إلى إعطاء شرعية شعبية مطلقة للرئيس المنتخب عبر حسم أغلبية اصوات الناخبين.
تشكل الدورة الأولى استفتاء مفتوحا لتصفية الحسابات السياسية بين العشرات من المرشحين الممثلين للأطياف المتناقضة والمتصارعة في الساحة، فتكون بمثابة غربال لا ينفلت من عيونه إلا المرشحان الحاصلان على أعلى نسبة من الأصوات. ثم تأتي الدور الثانية لتكون المواجهة الحاسمة وجها لوجه بين المرشحين الأقوى، مما قد يضع الناخبين أمام خيارين: إما الاقتراع عن قناعة، أو تطبيق “التصويت المفيد” الاضطراري لإزاحة المرشح الأكثر خطورة في نظرهم. وقد عاش الفرنسيون هذا المأزق سابقا، مما افرز مفهوم ( الجبهة الجمهوريةFront Républicain)، وهي تحالفات غير معلنة، تجمع القوى التقليدية في الدورة الثانية لمنع صعود التيار المتطرف؛ كما حدث مع جان ماري لوبن وابنته ماري لوبن. غير أن هذه الجبهة باتت تجد صعوبة بالغة اليوم في ظل لتصاعد اليمين المتطرف واليسار الراديكالي.
تختلف انتخابات 2027 عن سابقاتها لأربع عوامل رئيسية:
1/ غياب ماكرون مما يضع تيار الوسط عبر حزب النهضة Renaissance أمام تحدي إثبات الذات في غياب مؤسسه الأبرز، و تجاوز الصراع بين أجنحته المختلفة للسيطرة على إرث ماكرون.
2 الصعود السريع لليمين المتطرف، حيث يطرق حزب التجمع الوطني Rassemblement National، أبواب الإليزي بقوة، مستثمرا نتائجه في الانتخابات البرلمانية والأوضاع الاقتصادية الهشة التي تثير احتجاج الشارع.
3 تشتت اليسار اليمين التقليديين؛ يعاني التياران من أزمات هيكلية تعرقل إنتاج قيادات موحدة و موحِدة وقادرة على استرجاع التوازنات التاريخية.
4 صعود اليسار الراديكالي الذي يتمثل في بروز حزب فرنسا الأبية ( La France insoumise ) كقوة لا يمكن تجاوزها في المشهد السياسي.
ستعيش فرنسا خلال أسبوعي الدورتين تعبئة سياسية ساخنة عبر التجمعات الخطابية و الحملات الإعلامية، تحكمها ديناميكيات أبرزها؛ أن المرشحين المستبعدين من الجولة الأولى يصدرون توجيهاتهم لقواعدهم الانتخابية لتوجيه ملايين الأصوات، إلى جانب انعقاد المناظرة التلفزيونية التاريخية والأخيرة بين المرشحين النهائيين التي سيتابعها الملايين بحثا عمن يطمئنهم على مستقبلهم عبر قرارات اقتصادية و اجتماعية و سياسية حاسمة.
وبينما ننتظر تشكل ملامح السباق في الشهور القادمة، يبقى السؤال الملح هو كيف ستتعامل القوى السياسية مع تركة ولايتي ماكرون وخيبات أمل الفرنسيين تجاه نتائجهما على كافة الأصعدة؟
تعد الانتخابات المقبلة 13 في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ تأسيسها سنة 1958، وتخضع لضوابط دستورية، حيث تم تعديل مدة الولاية سنة 2000 من 7 سنوات إلى 5 سنوات وطُبّقت بدءاً من انتخابات 2002 لتوحيد مدتها مع الجمعية الوطنية. وتم في إصلاح عام 2008 الدستوري، حظر تولي الرئاسة لأكثر من ولايتين متتاليتين.
و يشرف المجلس الدستوري على شروط الترشح، والتي تتطلب الحصول على 500 تزكية من منتخبين كبار (كرؤساء البلديات والنواب)، موزعة على 30 إقليماً على الأقل، وبحد أقصى 10% (50 تزكية) من كل إقليم. كما خُفّض سن الترشح إلى 18 سنة مع التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، ويلتزم المرشح بتقديم إقرار بالذمة المالية وفتح حساب بنكي شفاف للحملة لضمان عدم تجاوز السقف المالي المحدد. وتعتمد آلية الانتخاب على الاقتراع المباشر بنظام الأغلبية المطلقة؛ حيث يتأهل أعلى مرشحَيْن للجولة الثانية في حال عدم حصول أي مرشح على أكثر من 50% من الأصوات في الجولة الأولى.
و هذا تسلسل تاريخي لرؤساء الجمهورية الخامسة:
1958: انتخب شارل ديغول رئيسا لفرنسا عبر مجمع انتخابي. أسس “حركة فرنسا الحرة” ضد حكومة فيشي والنازية. وأسس الجمهورية الخامسة بدستور يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، و أعيد انتخابه سنة 1965 في أول انتخابات بالاقتراع العام المباشر. استقلت الجزائر في عهده سنة 1962، أنشأ القوة النووية الفرنسية، وانسحب من القيادة العسكرية لحلف الناتو (1966).استقال عام 1969 بعد رفض الشعب لمشروعه الإصلاحي في استفتاء عام.
1969: فاز جورج بومبيدو في انتخابات مبكرة عن حزب ( اتحاد الديمقراطيين من أجل الجمهورية) عقب استقالة ديغول.
جمع بين تحديث الصناعة والليبرالية الاقتصادية البراغماتية، و تصدى لليسار الراديكالي بنهج محافظ بعد أحداث مايو 1968. توفي وهو في منصبه عام 1974.
1974: فاز جيسكار ديستان بالرئاسة ممثلاً لليمين الليبرالي (عن حزب الجمهوريين المستقلين) بعد وفاة بومبيدو. خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة وشرع الإجهاض.وأطلق مشروع القطار السريع (TGV)، أشرف على توسيع استخدام الطاقة النووية السلمية. وأسس النظام النقدي الأوروبي بالتعاون مع ألمانيا. و شهدت ولايته إطلاق قمم مجموعة السبع (G7).
خسر انتخابات 1981 أمام فرانسوا ميتران بسبب الصدمة النفطية وتفكك تيار اليمين مع جاك شيراك.
1981: انتُخب فرانسوا ميتران كأول رئيس اشتراكي في الجمهورية الخامسة، وأُعيد انتخابه لولاية ثانية عام 1988. ألغى عقوبة الإعدام، وخفض ساعات العمل إلى 39 ساعة أسبوعياً، وسن التقاعد إلى 60 عاماً. و شيد هرم اللوفر، و مكتبة فرنسا الوطنية، وقوس الدفاع (La Défense)، ووقع معاهدة “ماستريخت”.
1995: فاز جاك شيراك بالرئاسة عن حزب (التجمع من أجل الجمهورية) وأُعيد انتخابه عام 2002 أمام جان ماري لوبن. كان الرئيس الوحيد في الجمهورية الخامسة الذي ترأس الحكومة مرتين تحت رئيسين مختلفين؛ ديستان وميتران، وكان عمدة لباريس لمدة 18 سنة. اعترف رسميا بمسؤولية فرنسا عن ترحيل اليهود في الحرب العالمية الثانية، وعارض غزو العراق عام 2003.
2007 : فاز نيكولا ساركوزي بالرئاسة ممثلاً لليمين المحافظ وحزب (الاتحاد من أجل حركة شعبية UMP)، الذي تغير اسمه لاحقاً إلى حزب (الجمهوريون).عُرف بتوجهه الحازم في قضايا الأمن والهجرة، دعم البنوك لمواجهة الأزمة المالية العالمية 2008، رفع سن التقاعد إلى 62 عاماً. أعاد فرنسا للقيادة العسكرية للناتو سنة 2009، وشارك في إسقاط نظام القذافي في ليبيا 2011.
خسر انتخابات 2012 و واجه ملاحقات قضائية تتعلق بتمويل حملته الانتخابية الرئاسية.
2012: أعاد فوز فرانسوا هولاند اليسار إلى الرئاسة، أقر قانون زواج المثليين و خفض الضرائب على الشركات لدعم التنافسية، وتعديل قواعد النظام الاجتماعي والتقاعد المبكر. و استضافت فرنسا في عهده قمة باريس للمناخ سنة 2015، وقادت عمليات عسكرية في أفريقيا (مالي و إفريقيا الوسطى ) وشاركت في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة (داعش). و يُعد أول رئيس في الجمهورية الخامسة يعلن عن عدم رغبته في الترشح لولاية ثانية.
2017 : فاز إيمانويل ماكرون بالرئاسة على مارين لوبن. أسس حركة “إلى الأمام” التي تحولت إلى حزب النهضة Renaissance.خفض الضرائب على الشركات، ورفع سن التقاعد إلى 64 عاماً وسط احتجاجات “السترات الصفراء”. برز كمدافع عن السيادة الأوروبية مستقلة”، وشهدت ولايته الثانية فقدان حزبه للأغلبية المطلقة في البرلمان.
وفي انتظار أن تتضح التحالفات و تتحدد ملامح المواجهات في الأشهر القادمة، لا بد من الإشارة إلى أن معركة 2027 لا تتوقف على إقناع الناخبين ببرامج المرشحين فحسب، بل في مدى قدرة القوى السياسية على التعامل مع تركة ماكرون وإقناع الشارع الغاضب ببديل اقتصادي واجتماعي واقعي.






