خلال تجربة المرض القاسية لم يكن من خيار سوى البحث عن أفق يتجاوز البعدين العضوي والطبي لينفتح على مقام " علوي وعلاج هلامي سحري" ما...لم يكن ثمة من سبيل سوى الكلمات.....
ونحن نتجول في حدائق الرواية والشعر مرتشفين عسل الاستعارات وغمام الخيال، استوقفنا مسار الروائي "فلوبير" الباذخ السامق، مبدع التحفة الآسرة "مادام بوفاري".......
من الذي يمكن أن تعنيه لنا خلال هذه الرحلة الأليمة، تجربة هذا الساحر المتشائم دوما من أجل اخضرار شجرة الحياة...؟
كان الرجل مؤمنا بحقيقة واحدة: أولوية الفن على الحياة.....ولا يجد بتشاؤمه لذة في الحياة اليومية إلا لكي يهرب منها، ليصبح الأدب في هذه الحال أداة للحرية وسبيلا للنجاة: "...عندما لا أحمل كتابا أولا أرغب في أن أكتب...يغمرني شعور كبير بالملل...".
لقد كتب إلى "لوران بيتشا" رئيس تحرير مجلة كانت تنشر رواية "مادام بوفاري" في حلقات، قائلا: " لو أنك تعرفني حق المعرفة لكنت علمت مدى كراهيتي للحياة العادية. يظنون أنني أعشق الواقع. لكنني أكرهه...".
ففي فترة تأليفه "مادام بوفاري" كان يشرح ل "لويركويه" أنه يتوق إلى المجاز والاستعارة. هو نفسه شخص حالته وحبه للاستعارات "خلقت فنانا غنائيا، وكل ما هو طبيعي بالنسبة إليٌ هو غير طبيعي عند الآخرين....".
إن أهم ما يميز عبقرية فلوبير هو خياله. إنه خيال خليق حتى بالجنون وطبيعة الأمراض، فالمرض والألم والشعور بالفناء هي أهم أسس الفن...، " فماذا هناك أرقى من الفن؟ إنه السبيل الوحيد للخلاص....للكمال والتحرر....".
فبالعمل المجدي نتحدى الحياة والملل والفناء. إنه تحد يصل إلى درجة الكبرياء...إنها اللذة الأليمة التي يولدها الإبداع الفني...
شرح لصاحبته "لوزير" بإسهاب معاني الفن السامية: "....حينما تجدين نفسك وحيدة في غرفتك، أو تنظرين إلى اللهيب في الموقدة ، وتشعرين أن لا شيء يدعمك ولا تعتمدين على أحد، عندئذ تحت وهن المرأة تبعث فجأة إلهة الشعر من أعماقك؛ وتعزف لحنا حزينا وفرحا معا يشبه لحن القتال، لحنا يتحدى الحياة...".
وبقدر ما كان أبوه ولوعا بتشريح الأجسام البشرية، صار هو ولوعا بتشريح "النفوس" البشرية، والتعمق إلى باطنها، وتأمل "الهيكل العظمي" للأفكار الشريرة التي تختبئ في أعمق أنقى الناس سيرة في الظاهر...
وحياة فلوبير هي في الواقع ثورة عنيفة طويلة الأمد ضد غباء بني البشر.....فقد شب ساخطا بل حانقا على أولئك الرجال " ...الذين تستغرق حياتهم عاطفتان: جمع المال، والحياة من أجل ذواتهم فقط...".
"...إنني أعد من سلالة قراصنة صقلية، وسوف أصير قرصانا، أهيم في محيطات الروح، وأغوص فيها، باحثا عن العبارة الذهبية الخلابة....إنني أعتزم ان أكون كاتبا، ليس غير...".
وجه وجهه شطر كتاب "دون كيشوت" توراة " الحماقة البشرية"....
وكان الدكتور فلوبير -الأب- قد ابتاع قبل وفاته ضيعة على ضفة السين يطلق عليها "كرواسيه" ، يتوسطها منزل حجري جميل يرجع عهده إلى ما قبل مائتي سنة، وبه شرفة وجناح صغير يطلان على النهر...
فالأدب أنسب مهنة لمن ينشد العزلة ويعزف عن ارتياد المجتمعات....
ولم يكن في عزلته تلك يرى أو يقابل أحدا، عدا بضعة أصدقاء قلائل الذين كان يدعوهم بين حين وآخر كي يقضوا أياما في ضيافته، ليتناقش وإياهم فيما يكتب. وكانوا ثلاثة، من أكثر أصدقائه محافظة على التقاليد، وأكرمهم عونا له على مواجهة نوبات تشاؤمه النفسية، ونوبات صرعه المرضية.
"دوكامب" لم يلبث أن ابتاع أسهما في مجلة باريس الأدبية "ريفوري باري" صار واحدا من مديري تحريرها،.....فراح يلح على كل من فلوبير و"بوييه" كي يوافياه بإنتاجهما الأدبي.....
وفي إحدى زياراته العديدة له راح يستحثه على الانتقال إلى باريس، حيث يستطيع أن يندمج في محيط الحياة الذهنية بالعاصمة، ويتبادل الآراء مع زملائه الكتاب ، فيوسع بذلك أفقه الأدبي...فالكاتب ينبغي أن يعيش في وسط " مادته الأولية" ولا ينتظر التجارب حتى تأتي إليه. بل يذهب هو إليها، ويمضي يبحث وينقب عنها....
في رسالة جوابية يكتب: "....أنا أعيش الحياة التي تلائمني، وأحتقر الخيول العجفاء التي يتألف منها المجتمع الأدبي في باريس..".
يعلمنا درس "فلوبير" أن الاستعارات والخيال بلسم الروح والجسد معا....بل هما أقوى حتى من الحياة ، أو قل هما الحياة في حد ذاتها...!






