فن وإعلام

المسرح الدكالي...

عبد العزيز حنون (باحث)
ولد قرد ( بفتح القاف و فتح الراء المشددة وسكون الدال ) كان من أبرز الفنانين "البلديين" الذين ينتقدون الواقع بأسلوب ساخر و يزرعون الوعي و البسمة على وجوه كثير من المزاليط . كان الدهماء ومهمشو البادية الدكالية ينتظرون السوق الاسبوعي كي يتحلقوا حوله ليستمعوا للنوادر من الحكايات والاساطير والازليات والمعارك بين الجامع والسكويلة و العروبي والمديني أو العبدي والدكالي او الشلح والعروبي وذلك على شكل مقالب و مواقف ساخرة يمرون من خلالها على التنوع الثقافي المغربي عسلا مصفى بلا عنصرية ولا حساسية.

حلقة تعج بالضحك والعبر و العظات والنصائح الاجتماعية والدينية، و حتى السياسة الماكرة لها مكانها أيضا. حضرت حلقته و انا صغير لم أتذكر منها الشيء الكثير سوى أنه كان ذا لحية بيضاء مرتبة على الطريقة المغربية العتيقة، و يلبس جلابة بيضاء أنيقة "سدى في سدى" .

اما زعطوط، و هو تلميذ ولد قرد في فن الحلقة، كنت احضر عنده في سوق خميس البير الجديد بشكل مستمر.

كانت تعجبني كثيرا طريقة تسييرة للحلقة و بسط السيطرة على قلوب وعقول الصغار والكبار. كان وجهه منفرجا لكن فيه كثير من الحزم وسريع الرد و البديهة في حالة ملاحظته لتواجد بعض المشوشين الذين بعد إشارته الخفيفة والبليغة يغادرون في الحال كما لو بلعتهم الارض.

أذكر أنه حكى لنا بشكل فكاهي علاقته بولد قرد. قال لنا أن ولد قرد هو من علمه الحلقة، وأنه شيخه بلا منازع. ومن العادة "المرفودة"في المجتمع التقليدي أن كل معلم يشترط على المتعلم و يحدد معه أو مع والديه مبلغ ما سيعطيه من المال، أو أشياء عينية كالبقر وما في حكمها، وذلك بعد أن يتقن الحرفة ويتعلمها جيدا على يده، تماما كما يصنع "المحضرة" مع الطالب ، و تسمى" المتاوية "، و هي مستوى عال من التفاوض، و تعني أن الأداء يكون بعد وصول الأهداف و النتيجة وليس قبلها كما هو حال تعليمنا اليوم.

قال سي الطاهر زعطوط في موضوع المتاوية هذا أن شيخه "شاف من حالو" و رق قلبه ولم يشترط عليه لا مال كثير ولا بقرة كبيرة وغالية ولكن اكتفى بطلب فقط " كرفة"، وهي بنت البقرة التي عمرها حوالي ستة اشهر. قَبِل الشرط وراحا يجوبان البوادي و المدن وحتى القفار والصحاري، يتبادلان الأدوار الفكاهية و يتراشقان بالكلام حتى تتحول الحلقة الى فريقين من المتنافسين في إغداق الغريمين بالنقوذ كل ينصر بطله.

قال سي الطاهر رحمه الله : بعدما اكملت أصول الحرفة، وكان يسميها "الشوكة" و كان رحمه الله دائما يدعو بالرحمة والمغفرة لموتى المسلمين ويذكر الآخرة والموت و يقول بعد تنفس عميق مسموع: الحمد لله ما خاصنا حتى خير و لكن "الله يسل الشوكة بلا دم". قلت، حكى لنا باسلوب فكاهي أنه بعدما أكمل أصول الحرفة قال له شيخه ولد قرد: هذا فراق بيني وبينك، و أمره بأن يأتيه بالشرط في أقرب الآجال. فرد عليه زعطوط انه في الغذ و في نفس الوقت والمكان عليه أن ينتظر المكافأة المتفق عليها، بل سيمنحه ما يريد من شرط ويزيد.

و في اليوم الموالي جاء زعطوط إلى عين المكان حيث شيخه منهمك في حلقته، و عقد حلقة أخرى بجانبه، و بدأ يشتغل منعزلا عنه، و تقاسم معه جمهور السوق، وقال له: ها قد أتيتك "بالكرفة التي اشترطتَ علي" ، و كان يقصد الكرفه التي تعني ضيق عليه وزاحمه عوض ان يأتيه بالكرفة التي هي بنت البقرة ذات القرون. كان يقول ذلك مازحا ومنتقدا بعض من يفتقدون لخلق الاعتراف بجميل من علمهم ، ثم يدعو بالرحمة لشيخه ولد قرد الذي كان قد لقي ربه.