حدثني يا وزير الموت....
حدثني عن شبابٍ دفعوا للمهربين ثمن الرحلة، واشتروا تذاكرَ الموت، بحثاً عن فرصةٍ للحياة بعيداً عن وطنهم.
حدثني عن سبتة....
عن شبابٍ اندفعوا نحو الحدود بحثاً عن منفذٍ إلى الضفة الأخرى، وعن الذين انتهوا في البحر، وعن أسرٍ بقيت أمام موت أبنائها بلا جواب.
حدثني عن الموت الذي صار ثمناً في طريق الهجرة، وعن وطنٍ يصل فيه بعض شبابه إلى قناعةٍ قاسية: أن الموت في البحر أهون من البقاء بلا أفق.
حدثني عن العاملات المغربيات اللواتي قلتَ إن «الهجرة المهنية المنظمة» خيارٌ استراتيجي لهن.
حدثني عن نساءٍ دفعت ظروف بعضهن النقابات والهيئات العمالية الإسبانية إلى التدخل دفاعاً عن حقوقهن، وعن عاملاتٍ وجدن أنفسهن أمام أوضاعٍ مهنية وحقوقية صعبة.
حدثني عن نساءٍ كانت وزارتك أولى بحمايتهن ومواكبتهن، فإذا بغيرها يتقدم إلى الواجهة للدفاع عن حقوقهن وكرامتهن.
حدثني عن السميك....
لا عن الرقم الذي يُعلن، بل عن الأجر الذي يعيش به العامل فعلاً.
حدثني عن قانونٍ انتظرته البلاد عقوداً....
حدثني عن قانونٍ دافعتَ عنه أمام البرلمان، وقلتَ في سياق الدفاع عنه إنه يخدم «الطبقة الكادحة المغربية».
حدثني عن الباطرونا التي اعتبرت إخراج هذا القانون أولوية لها، وعن موقفك وأنت تدافع عن النص.
حدثني عن النقابات التي لم ترَ في الصيغة نفسها ما رأيتَه أنت، وعن الاتحاد المغربي للشغل الذي انسحب من جلسة المصادقة بمجلس المستشارين احتجاجاً على الصيغة المعروضة.
ثلاثة وثلاثون مادة.
حدثني عن هذا التوازن الذي دافعتَ عنه.
حدثني عن العامل كما سيعيش هذا القانون، لا كما قُدّم له في الخطاب الحكومي.
حدثني عن عمال المناولة....
عن العامل الذي يؤدي عمله داخل المؤسسة، بينما تمر علاقته المهنية عبر شركة وسيطة.
حدثني عن قدرة منظومة التفتيش والردع على حماية حقوقه فعلاً.
حدثني عن «أوراش».....
عن برنامجٍ استهدف خلق 250 ألف فرصة شغل خلال سنتي 2022 و2023، وكان الجزء الأكبر منه موجهاً إلى الأوراش العامة المؤقتة، إلى جانب شقٍّ للإدماج المستدام.
حدثني عن الشاب الذي دخل «أوراش» بعقدٍ مؤقت.
حدثني عمّا كان ينتظره بعد انتهاء العقد.
حدثني عن الاستدامة التي كان يفترض أن تجعل من التشغيل جسراً إلى العمل المستقر، لا محطةً مؤقتةً يعود بعدها الباحث عن العمل إلى نقطة البداية.
حدثني عن «أنا مقاول».....
عن برنامجٍ يستهدف مواكبة حاملي المشاريع والمقاولين والمقاولات الصغيرة جداً.
حدثني عن المقاول الصغير الذي لا يحتاج إلى عنوانٍ جديد بقدر ما يحتاج إلى تمويلٍ وسوقٍ وآجال أداء تسمح له بأن يبقى واقفاً.
حدثني عن المقاولة التي تريد أن تكبر، لا أن تعيش فقط من دعمٍ إلى دعم.
حدثني عن مدن المهن والكفاءات.....
عن البنايات ومقاعد التكوين والاستثمارات.
ثم حدثني عن الشاب الذي يتخرج، وعن الطريق التي تقوده من شهادة التكوين إلى شغلٍ مستقر.
حدثني عن التكوين حين يصبح كفاءةً قابلةً للتشغيل، لا مجرد مقعدٍ تكويني.
حدثني عن الأنابيك....
عن الوكالة التي يفترض أن تكون إحدى أهم بوابات الباحثين عن العمل نحو سوق الشغل.
حدثني عن الحكامة.....
عن الرشوة والوساطة حين تصبحان هاجساً يرافق المواطن في طريقه إلى حقٍّ يفترض أن يصل إليه دون وسيط.
حدثني عن البرامج والفرص التي يفترض أن تُوزَّع بالاستحقاق، لا بالقرب من أصحاب القرار.
عن المواطن الذي لا يملك رقماً خاصاً يتصل به، ولا اسماً كبيراً يفتح له الأبواب، ولا واسطة تختصر له الطريق.
حدثني عن الملفات التي أثارت شبهاتٍ وتساؤلاتٍ حول التدبير داخل القطاع.
عن المسؤولية حين تُثار الشبهات، وعن المحاسبة حين تستدعيها الوقائع.
حدثني عن تكافؤ الفرص، حين يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا يستحق المواطن؟ بل: من يعرفه؟
حدثني عن تفتيش الشغل.....
عن الجهاز الذي يفترض أن يكون عين الدولة على حقوق الأجراء، وعن قدرة الدولة على تحويل النصوص إلى حمايةٍ فعلية داخل أماكن العمل.
حدثني عن الكرامة.....
عن الكرامة التي جعلتَ منها عنواناً لخطابك، وعن المواطن الذي كان ينتظر من وزارتك أن يجدها في واقعه، لا في خطاباتك.
عن الشاب الذي ينتظر فرصة.
عن المرأة التي تبحث عن عمل.
عن العامل الذي يبحث عن حقه.
عن المقاول الصغير الذي يبحث عن شروطٍ تسمح له بالاستمرار.
حدثني عن الاستدامة......
عن العمل الذي لا ينتهي بانتهاء العقد.
عن الدخل الذي لا ينهار أمام أول أزمة.
عن المقاولة التي تستطيع أن تستمر وتخلق فرصاً حقيقية للشغل.
فلا كرامة بلا استدامة.
حدثني عن كل ذلك، يا وزير الذل.
انتهى النزال.






