يحل الخامس عشر من شتنبر، اليوم العالمي للديمقراطية، في سياق لم يعد فيه السؤال الديمقراطي سؤالًا بسيطًا عن وجود الانتخابات أو المؤسسات أو الدساتير، بقدر ما أصبح سؤالًا عن المعنى الذي بقي للديمقراطية بعد أن تحولت، في كثير من التجارب، من وعد بالتغيير إلى نظام مألوف لإدارة الاستمرارية؛
فليست أصعب أزمات الديمقراطية تلك التي يُعلن فيها رفضها صراحة، أو تُغلق فيها صناديق الاقتراع، أو تُلغى المؤسسات التمثيلية؛ فهذه أوضاع يسهل تشخيصها وتسميتها؛ والأصعب هو أن يستمر الاعتراف بالديمقراطية مبدأً، وأن تنتظم المؤسسات والمواعيد الانتخابية، وأن تبقى مفرداتها حاضرة في الخطاب الرسمي والحزبي، بينما يتباطأ تحولها من وعد سياسي ودستوري إلى ممارسة فعلية لإنتاج السلطة وتوزيعها ومراقبتها ومساءلتها.
في هذه المسافة بين الاعتراف بالديمقراطية واستكمال شروطها تنشأ منطقة رمادية لا يصلح معها الاطمئنان ولا العدمية: فلا نحن أمام غياب مطلق للديمقراطية، ولا نحن أمام اكتمال بنائها؛ بل أمام مسار مركب تتجاور داخله المكتسبات ومواطن التعثر، وتتعايش الاستمرارية المؤسساتية مع أزمات الثقة والتمثيل والوساطة والمشاركة، ويستمر فيه الاقتراع الدوري، بينما يظل السؤال مفتوحًا حول مقدار السياسة التي تستطيع الانتخابات نفسها أن تنتجها.
من سؤال الانتقال إلى سؤال المصير :
ارتبط مفهوم الانتقال الديمقراطي تاريخيًا بفكرة الحركة: الانتقال من توزيع معين للسلطة إلى توزيع أكثر توازنًا لها، ومن محدودية المشاركة إلى توسيعها، ومن ضعف الضمانات إلى ترسيخها، ومن المسؤولية الغامضة إلى مسؤولية سياسية قابلة للإسناد والمحاسبة ؛ وقد ساعدت أدبيات أودونيل وشميتر، ثم خوان لينز وألفرد ستيبان، على التمييز بين مجرد الانتقال وبين ترسيخ الديمقراطية؛ فالانتخابات قد تفتح المسار، لكنها لا تختصره، والمؤسسات قد توفر بنيته القانونية، لكنها لا تضمن وحدها حيويته السياسية؛ غير أن مفهوم الانتقال يحمل بدوره مفارقة زمنية: لا يمكن للانتقال أن يستمر إلى ما لا نهاية من دون أن نسأل: انتقال إلى أين؟
فحين يمتد الزمن يصبح من حق التفكير النقدي أن ينتقل من سؤال النوايا والبدايات إلى سؤال الحصيلة: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ما الذي تغير في شروط المسار؟ وما الذي أصبح يحتاج إلى مراجعة في تصورنا للديمقراطية نفسها؟
وهنا ربما لا يكون السؤال الأدق: هل نجح الانتقال الديمقراطي أم فشل؟ فهذه ثنائية قد تختزل مسارًا تاريخيًا شديد التركيب في حكم نهائي ؛ وإن الأجدى أن نسأل: ما الذي اكتمل، وما الذي ظل معلقًا، وما الذي تغير بحيث لم تعد الأدوات والمفاهيم القديمة كافية لفهمه؟
الديمقراطية لا تتراجع دائمًا بصخب :
من الأخطاء الشائعة تصور التراجع الديمقراطي دائمًا في صورة انقلاب واضح على الديمقراطية ، والحال أن الديمقراطية قد تتآكل أيضًا بطريقة أكثر هدوءًا: ليس بإلغاء المؤسسات، وإنما بإضعاف قدرتها على الفعل؛ وليس بمنع الانتخابات، وإنما بتقليص قدرتها على إنتاج الاختيار السياسي؛ وليس بإسكات الأحزاب، وإنما بتحول وظائفها؛ وليس برفض المشاركة، وإنما بتراجع الاعتقاد في جدواها.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين وجود المؤسسة وفاعليتها، وبين انتظام المسطرة وجودة أثرها، وبين شرعية الاقتراع وشرعية الإنجاز والمساءلة؛ فالديمقراطية ليست صندوقًا فقط، وإن كان الصندوق شرطًا جوهريًا فيها؛ إنها كذلك ما يحدث بين صندوقين: مجال عمومي حي، أحزاب تنتج الأفكار والنخب، برلمان يمارس سلطة فعلية، مجتمع قادر على التعبير والتنظيم، مؤسسات تخضع للمساءلة، ومواطن يستطيع أن يدرك الصلة بين اختياره وبين القرار الذي يصنع حياته اليومية؛ ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس هل توجد مؤسسات ديمقراطية؟ بل ما مقدار الديمقراطية الذي تنتجه المؤسسات الموجودة؟
حين يعيد العقل الدولتي ترتيب الزمن السياسي :
في قلب هذه الإشكالية يبرز ما يمكن تسميته «العقل الدولتي»؛ لا بمعنى وجود عقل واحد مغلق يدير الدولة من موقع واحد، وإنما باعتباره منطقًا مؤسساتيًا يميل، بحكم وظيفته، إلى ترتيب الأولويات وفق ضرورات الاستمرار والاستقرار والأمن والمصلحة الاستراتيجية؛ وقد تعاقبت خلال العقود الأخيرة لحظات وطنية كبرى فرضت نفسها بقوة: الوحدة الترابية، والاستقرار، والأمن، والتنمية، والحماية الاجتماعية، ومواجهة الأزمات الاقتصادية والصحية، والتحولات الإقليمية والجيوسياسية، وإعادة ترتيب موقع الدولة داخل محيط دولي سريع التقلب ، ولا يستطيع تفكير سياسي مسؤول أن يقلل من مشروعية هذه الرهانات؛ غير أن المشكلة تبدأ في علاقة الأولوية بالزمن ، فما يكون مشروعًا بوصفه أولوية ظرفية قد يصبح إشكاليًا عندما يتحول إلى ترتيب دائم للسياسة ؛ وإذا كانت كل لحظة وطنية تستدعي تأجيل بعض الأسئلة الديمقراطية، وكانت اللحظات الوطنية تتعاقب بلا انقطاع، فإن المؤقت قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى بنية ؛ وهنا تظهر المفارقة: الديمقراطية لا تُلغى، وإنما تتراجع رتبتها داخل جدول الأولويات.
اللحظة الوطنية واللحظة الديمقراطية :
يقتضي ذلك التمييز بين مفهومين لا ينبغي الخلط بينهما ولا وضعهما في مواجهة صفرية ، فاللحظة الوطنية هي الزمن الذي يعاد فيه ترتيب الأولويات حول قضية ينظر إليها باعتبارها متصلة بوحدة الدولة أو أمنها أو استقرارها أو مصالحها الاستراتيجية، بما يستدعي قدرًا مرتفعًا من الالتفاف حول المشترك ؛ أما اللحظة الديمقراطية فهي الزمن الذي تصبح فيه أسئلة توزيع السلطة، واستقلال المؤسسات، والتعدد، والمساءلة، وجودة الوساطة، وحرية المجال العمومي، والمشاركة في صناعة القرار، أولويات مؤسسة للفعل السياسي ؛ الأولى تسأل: كيف نحمي المشترك؟
والثانية تسأل: كيف نختلف ونتشارك ونقرر داخل هذا المشترك؟
ولا يوجد سبب جوهري يجعل الإجابتين متعارضتين؛ فالخطر ليس في أن يعرف الوطن لحظات وطنية قوية؛ بل في أن تتحول الوطنية إلى زمن سياسي يحتكر الزمن كله، بحيث تصبح الديمقراطية مطالبة باستمرار بانتظار نهاية قضية وطنية تليها أخرى ، وهي نهاية لن تأتي؛ لأن الأوطان لا تنتهي قضاياها.
أزمة الوسيط أيضًا :
غير أن نقد ترتيب الأولويات داخل الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء الفاعلين السياسيين من مسؤوليتهم، فمن الصعب تفسير تعثر الخيار الديمقراطي من جهة الدولة وحدها، بينما الوسيط الذي يفترض أن يحمل الطلب الديمقراطي نفسه يعرف أزمة عميقة؛ فالحزب السياسي لم ينشأ تاريخيًا لمجرد تقديم مرشحين إلى الانتخابات، كان يفترض فيه أن ينتج الأفكار، ويؤطر المواطنين، ويكوّن النخب، ويترجم المصالح الاجتماعية المتفرقة إلى مطالب عامة، ويحول الاحتجاج إلى اقتراح، ويربط المجتمع بالمؤسسات؛ وهنا تفيد تحليلات روبرت ميخلز حول ميل التنظيمات إلى إنتاج أوليغارشياتها الداخلية، وتحليلات بورديو للحقل السياسي واحتراف التمثيل، كما يفتح مفهوم «حزب الكارتل» عند ريتشارد كاتز وبيتر ماير بابًا لفهم انتقال بعض الأحزاب من التجذر الاجتماعي إلى الاعتماد المتزايد على الموارد والمواقع المؤسساتية ؛ ومن هذا المنظور يمكن استعمال مفهوم «الوكالة الانتخابية»، لا بوصفه شتيمة سياسية ولا حكمًا عامًا على جميع الأحزاب، وإنما أداة اختبار: ماذا يبقى من الحزب عندما تتراجع وظائف التأطير والتكوين وإنتاج المشروع والوساطة، وتتركز طاقته بصورة متزايدة حول المرشحين والدوائر والمقاعد والتحالفات والمواقع؟
فالخطر لا يكمن في أن يشارك الحزب في الانتخابات؛ تلك وظيفته الطبيعية ؛ والخطر أن تصبح الانتخابات هي الوظيفة التي تبتلع بقية وظائفه.
حين يلتقي تحوّل الدولة بتحوّل الحزب :
هنا تكتمل إحدى الفرضيات الأساسية لهذه السلسلة، فأزمة الخيار الديمقراطي قد لا تكون نتاج قرار واحد أو مسؤولية فاعل واحد، وإنما نتيجة التقاء تحولَين: عقل دولتي أعاد ترتيب الأولويات تحت ضغط ضرورات وطنية متعاقبة، وعقل حزبي تراجعت داخله، بدرجات مختلفة، استراتيجية التغيير الديمقراطي أمام مقتضيات الاندماج في المؤسسات والمنافسة على المواقع.
وتنشأ بين التحولين علاقة دائرية: كلما ضعفت الأحزاب اجتماعيًا، تراجعت قدرتها على التفاوض مع الدولة باسم المجتمع؛ وكلما ازدادت حاجتها إلى الموارد والمواقع المؤسساتية، تعمقت احتمالات تحولها من وسيط بين الدولة والمجتمع إلى وسيط داخل الدولة نفسها؛ وعندئذ لا تعود أزمة الديمقراطية مجرد أزمة نصوص أو قواعد أو إرادات؛ تصبح أزمة في البنية التي تنتج الفعل السياسي ذاته؛ وإن هذا ما يجعل نقد الدولة وحدها ناقصًا، كما يجعل لوم الأحزاب وحدها مريحًا أكثر مما هو مفسر.
من وعد الانتقال إلى مسؤولية الاستكمال :
لذلك ربما حان الوقت لمراجعة قاموسنا نفسه؛ فمفهوم «الانتقال الديمقراطي» أدى وظيفة تاريخية مهمة؛ لكنه قد يصبح، إذا استُعمل بلا نهاية، مفهومًا يؤجل مساءلة الحصيلة: نظل في انتقال دائم، ونظل ننتظر لحظة وصول لا نحدد شروطها ولا مؤشرات تحققها ، ومن هنا نقترح مفهوم «الاستكمال الديمقراطي»، وليس المقصود مجرد استبدال كلمة بأخرى، بل تغيير زاوية النظر ؛ فالاستكمال يعترف بما تحقق من دون أن يحوله إلى أسطورة نجاح، ويكشف ما تعثر من دون أن يبني منه سردية يأس ؛ وهو، قبل ذلك، مفهوم يفرض التعيين والقياس والمسؤولية: ما الذي لم يكتمل تحديدًا؟ ومن يملك سلطة استكماله؟ وما العقبات؟ وما الآجال؟ وما المؤشرات التي تسمح للمجتمع بالحكم على التقدم أو التراجع؟
وبهذا المعنى، يصبح استكمال الديمقراطية عملًا في استقلال المؤسسات، وقوة البرلمان، وجودة التشريع، ووضوح المسؤولية السياسية، وربط السلطة بالمحاسبة، والديمقراطية الداخلية للأحزاب، وفعالية الوساطة، وحيوية المجال العمومي، والثقة في جدوى المشاركة؛ فالانتقال يقول لنا إننا نسير؛ أما الاستكمال فيلزمنا بأن نسأل: أين وصلنا، وما المسافة التي بقيت، ومن يتحمل مسؤولية قطعها؟
الديمقراطية قضية وطنية :
وهنا يمكن قلب الإشكالية كلها، فبدل السؤال: كيف نوازن بين الأولويات الوطنية ومطلب الديمقراطية؟ يمكن أن نسأل: لماذا لا تصبح الديمقراطية نفسها أولوية وطنية؟
ذلك أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها ومصالحها وأمنها، بل كذلك بقدرتها على إنتاج الثقة والشرعية والمشاركة، وتحويل الاختلاف إلى طاقة سياسية بدل تحويله إلى مصدر خوف ، مما يعني أن
الديمقراطية ليست ترفًا يؤجل إلى ما بعد التنمية، ولا استحقاقًا يأتي بعد الاستقرار، ولا ملفًا يفتح بعد الانتهاء من القضايا الوطنية. إن الديمقراطية تعد إحدى الوسائل التي تجعل التنمية أكثر عدلًا، والاستقرار أكثر شرعية، والمؤسسات أكثر ثقة، والقرار العمومي أكثر قدرة على الاستمرار؛ ولذلك فإن الدفاع عن الديمقراطية ليس دفاعًا عن المجتمع في مواجهة الدولة، كما أن الدفاع عن الدولة لا ينبغي أن يكون دفاعًا عنها في مواجهة الديمقراطية؛ وإن المعادلة الأجدى هي دولة تقوى بديمقراطيتها، وديمقراطية تحتمي بقوة الدولة الدستورية، ومجتمع يجد في مؤسساته ما يغنيه عن البحث الدائم عن السياسة خارج السياسة.
أسئلة أربع حلقات :
من هذه الفرضية تنطلق هذه السلسلة ، ستبحث الحلقة الثانية، «حين تطول اللحظة الوطنية وتتأخر اللحظة الديمقراطية»، في علاقة الزمن الوطني بالزمن الديمقراطي، وفي ما إذا كان تعاقب الأولويات قد غير موقع الانتقال الديمقراطي داخل العقل الدولتي وتتناول الحلقة الثالثة، «حين تتحول الوساطة السياسية إلى وكالة انتخابية»، تحولات الحزب والتمثيل، والسؤال عما إذا كانت أزمة الديمقراطية قد أصبحت أيضًا أزمة في المؤسسة التي كان يفترض أن تحمل مشروعها داخل المجتمع والدولة. أما الحلقة الرابعة، «من الانتقال الديمقراطي إلى الاستكمال الديمقراطي»، فتحاول الانتقال من التشخيص إلى الاقتراح: ماذا يعني أن نحدد ما لم يكتمل ديمقراطيًا؟ وكيف يمكن تحويل الديمقراطية نفسها إلى قضية وطنية ومورد من موارد المناعة الاستراتيجية للدولة والمجتمع؟
ولذلك لا ننطلق من أطروحة أن الوعد الديمقراطي انتهى، ولا من الاطمئنان إلى أنه يتحقق بقوة الاستمرارية وحدها؛ فالاختيار الديمقراطي لا يحمي نفسه بنفسه، والمكتسب الذي لا يُستكمل قد يتحول مع الزمن إلى سقف، والمؤسسة التي لا تتجدد وظائفها قد تستمر في الشكل بينما يتغير معناها.
إن اليوم العالمي للديمقراطية لا يحتاج، بهذا المعنى، إلى مزيد من الاحتفاء بفضائل الديمقراطية بقدر حاجته إلى إعادة الديمقراطية نفسها إلى دائرة السؤال ؛ فربما لم يعد السؤال الذي يستحق أن نفتتح به هذه السلسلة: هل ما زلنا نعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي؟
بل سؤالًا أصعب وأكثر مسؤولية: كيف ننتقل من ديمقراطية يستمر الوعد بها إلى ديمقراطية نستطيع تحديد ما تحقق منها، وتسمية ما لم يكتمل فيها، وقياس المسافة بين النص والممارسة؛ ومتى تصبح الديمقراطية نفسها قضية وطنية لا تنتظر انتهاء اللحظات الوطنية، بل تسهم في صناعة قوتها وشرعيتها؟






