مجتمع وحوداث

حين ينظر جسم المحاماة إلى نفسه

مصطفى المنوزي

حين نستعمل عبارة «جسم المحاماة»، فقد تبدو لأول وهلة مجرد استعارة للدلالة على مجموع المحاميات والمحامين ومؤسساتهم المهنية؛ غير أن أخذ العبارة مأخذًا إبستمولوجيًا يفتح سؤالًا أعمق: هل للمحاماة، باعتبارها جسمًا مهنيًا، وعي بذاتها؟ وكيف تعرف هذه الذات نفسها؟ وهل تعرف نفسها كما هي، أم كما تتذكر نفسها، أو كما ترغب في أن تكون، أو كما بنت عبر تاريخها صورة رمزية عن ذاتها؟.


إن سؤال الوعي بالذات المهنية لا يتعلق، بهذا المعنى، بالهوية وحدها، بل بعلاقة مركبة بين الجسد والذاكرة والحقيقة والسردية والاقتدار ؛ فالجماعة المهنية، مثل الفرد، تحمل تاريخًا، وتصنع عن هذا التاريخ سرديات، وتنتقي منه لحظات مؤسسة، وتنسى أو تهمش لحظات أخرى، ثم تستدعي هذه الذاكرة عندما تواجه الحاضر وتريد اتخاذ القرار بشأن المستقبل.


من «أنا أقدر» إلى «هل أعرف ما أقدر عليه؟» :

يمنحنا بول ريكور مدخلًا أساسيًا إلى المسألة من خلال فلسفة الإنسان القادر، فالذات لا تعرف نفسها فقط بما «هي عليه»، وإنما أيضًا بما تستطيع قوله وفعله وسرده وتحمل المسؤولية عنه. وبهذا المعنى يمكن نقل السؤال إلى المجال المهني: ما الذي يقدر عليه جسم المحاماة؟.


غير أن الانتقال من الفرد إلى الجماعة يجعل السؤال أكثر تعقيدًا. فلا يكفي أن تقول المحاماة إنها قادرة لكي تكون كذلك؛ فالوعي بالاقتدار ليس هو الاقتدار نفسه؛ من هنا ينبغي قلب السؤال قليلًا: ليس فقط «ماذا نستطيع؟»، بل كيف عرفنا أننا نستطيع؟.


وهذا سؤال إبستمولوجي بامتياز، لأنه يطالب الجماعة بأن تقدم لنفسها أسباب اعتقادها في قدرتها: ما حجم التعبئة؟ ما درجة الوحدة؟ ما مقدار التحمل؟ ما الكلفة؟ ما مستوى المشاركة؟ كيف تتوزع الأعباء؟ وما أثر الزمن في القدرة على الاستمرار؟.


وهكذا لا يعود القياس خصمًا للإرادة، بل يصبح أحد شروط معرفة الإرادة بحدود قوتها.


لاكان: حين لا تكون الذات شفافة لنفسها :

يفيدنا جاك لاكان في زعزعة الاطمئنان إلى أن الذات تعرف نفسها معرفة مباشرة ؛ فالذات تتشكل داخل اللغة وعلاقة الآخر والرغبة والصور التي تبنيها عن نفسها؛ ولذلك قد توجد مسافة بين الذات وصورتها المتخيلة عن ذاتها ، وللمحاماة صورة تاريخية عن نفسها: الاستقلال، والدفاع، والحرية، والمقاومة، والشجاعة، والتضامن، والنبل المهني. وهي عناصر أساسية في تكوين هويتها الرمزية. لكن الصورة، مهما كانت مؤسسة ومشروعة، لا ينبغي أن تتحول إلى مرآة تمنع الجسم من رؤية تحولاته الداخلية ، ولذلك يصبح السؤال: هل يرى جسم المحاماة نفسه كما هو اليوم، أم كما بدت أو ترسخت صورته عن نفسه في ذاكرته؟

وهنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من الوعي الهوياتي إلى الوعي النقدي بالذات.


الذاكرة ليست الماضي فقط :

الجماعة لا تحمل ماضيها كأرشيف محايد، بل تستعيده من خلال سرديات تمنحه المعنى. والذاكرة المهنية للمحاماة تختزن لحظات النضال والانتصار والاستقلال والمواجهة والتضامن، كما تختزن ـ أو ينبغي أن تختزن ـ لحظات الاختلاف والتردد والإخفاق وكذا المراجعة والتسوية. وإن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة من مورد للفهم إلى سلطة على الحاضر ؛ فما نجح بالأمس ليس ملزمًا بأن ينجح اليوم بالطريقة نفسها، وما كان دليل قوة في سياق معين قد يحتاج إلى إعادة تقدير في سياق آخر ؛ لذلك فإن الوفاء للذاكرة لا يعني تكرار الماضي، وإنما الحفاظ على معناه مع تحرير الحاضر من وجوب نسخه ؛ لأن الذاكرة الناضجة لا تقول للجماعة: افعلي اليوم ما فعلته بالأمس؛ بل تسألها: ماذا تعلمتِ مما فعلته بالأمس لكي تحسني الاختيار اليوم؟

وهنا تنتقل الذاكرة من وظيفة التعبئة إلى وظيفة المعرفة.


من الذاكرة إلى الحقيقة :

لكن الذاكرة ليست الحقيقة ذاتها، فالجماعة قد تتذكر الحدث وفق ما تحتاجه هويتها، بينما تقتضي الحقيقة إعادة بناء أكثر تركيبًا لما وقع: من شارك؟ من صمت؟ من تحمل الكلفة؟ ما الذي تحقق؟ ما الذي لم يتحقق؟ ماذا كان أثر الوسيلة؟ ولماذا تغير الموقف في لحظة معينة؟

لذلك فإن حوكمة الذاكرة تقتضي إخضاع السردية لاختبار مطلب الحقيقة ، وإن الحقيقة هنا ليست ادعاء امتلاك رواية نهائية، وإنما الاستعداد لمقارنة الروايات بالوقائع، والاعتراف بالتعدد، والتمييز بين ما حدث وما نرغب في الاعتقاد بأنه حدث.


فالوعي بالذات يمر عبر شجاعة الذاكرة وشجاعة الحقيقة معًا: شجاعة أن نتذكر، وشجاعة أن نراجع الطريقة التي نتذكر بها.


فيغاريلو: للذاكرة جسد أيضًا

غير أن الحديث عن جسم المحاماة لا ينبغي أن يبقى في مستوى اللغة والسرديات والمؤسسات. وهنا تساعد أعمال جورج فيغاريلو على استعادة البعد الذي كثيرًا ما تخفيه الخطابات الجماعية ، أي الجسد وحفرياته ؛ فالتاريخ لا يمر عبر الأفكار والمؤسسات فقط؛ إنه يترك آثاره في الأجساد، وفي طرائق الاحتمال والتعب والعمل والانضباط والإحساس بالقوة والهشاشة.


وجسم المحاماة ليس كيانًا مجردًا. إنه يتكون من أجساد حقيقية متفاوتة في العمر والوضع الاقتصادي والالتزامات والخبرة المهنية والقدرة على تحمل الكلفة ، لذلك لا يجوز أن نختزل قدرة الجسم في قدرة أكثر أعضائه تحمّلًا ؛ وحين يستمر فعل جماعي مدة طويلة، يصبح الإنهاك نفسه معلومة عن حالة الجسم. ويصبح الصمت والتردد وتراجع المشاركة والصعوبة المادية والنفسية معطيات ينبغي قراءتها، لا أخلاقيًا فقط، وإنما إبستمولوجيًا ؛ فالجسد المتعب يقول شيئًا لا ينبغي للسردية أن تسكته.


فوكو: السلطة وصناعة الجسد :

ويضيف فوكو بعدًا آخر: الأجساد لا توجد خارج علاقات السلطة، فالمؤسسة والقانون والتنظيم والانضباط والخطاب وآليات التصنيف والمراقبة تسهم في إنتاج أنماط السلوك وفي الطريقة التي يفهم بها الفرد نفسه وموقعه، وبذلك لا يعود السؤال فقط: ماذا تفعل السلطة بالمحاماة؟ بل أيضًا: ما الذي أنتجته علاقات السلطة، عبر الزمن، داخل تصور المحاماة لنفسها؟.


بل ينبغي مساءلة كيفية ممارسة الجسم المهني سلطته الرمزية على أعضائه: كيف يحدد صورة «المحامي الحقيقي»؟ ومتى يصبح الاختلاف ضعفًا، والتردد خيانة، والتقييم تشكيكًا، والصمت موافقة مفترضة؟.


عندها تتحول إبستمولوجيا الوعي بالذات إلى نقد مزدوج: نقد السلطة الخارجية، ونقد آليات إنتاج السلطة داخل الجسم نفسه.


من الذاكرة البطولية إلى الذاكرة النقدية :

ليس المطلوب تفكيك الذاكرة المهنية أو نزع بعدها البطولي؛ فالجماعات تحتاج إلى رموزها ومراجعها المؤسسة. المطلوب هو الانتقال من ذاكرة تستدعي الماضي لإثبات صحة الحاضر، إلى ذاكرة تستدعيه لاختبار الحاضر ؛ فالذاكرة قد تقول: لقد صمدنا من قبل، إذن نستطيع الصمود الآن ؛ أما الذاكرة النقدية فتسأل: كيف صمدنا؟ وبأي شروط؟ وبأي كلفة؟ وما الذي تغير منذ ذلك الحين؟.


والفرق بينهما هو الفرق بين الاستشهاد بالتاريخ والتعلم من التاريخ.


الحقيقة بوصفها شرطًا للاقتدار :

الاقتدار المهني ليس مخزونًا ثابتًا من القوة تمتلكه الجماعة إلى ما لا نهاية؛ إنه علاقة متغيرة بين الإرادة والموارد والزمن والجسد والتنظيم والسياق والمعنى ؛ ولهذا فإن معرفة الحقيقة عن حالة الجسم ليست إحباطًا له، وإنما شرط من شروط اقتداره.


إن الحقيقة لا تُضعف الجسم؛ الذي يضعفه هو أن يتخذ قراراته بناءً على صورة عن نفسه لم تعد مطابقة لواقعه ؛ وهنا تصبح الهشاشة جزءً من المعرفة بالذات؛ فالاعتراف بأن جزءًا من الجسم متعب أو متردد أو غير قادر على تحمل الكلفة نفسها لا يعني إضعاف المبدأ، بل يسمح بإعادة هندسة الوسيلة بما يحمي استدامة الفعل.


نحو إبستمولوجيا لذاكرة الجسم المهني :

يمكن، بناءً على ذلك، اقتراح مفهوم «إبستمولوجيا الوعي بالذات المهنية» بوصفها قدرة الجسم المهني على إنتاج معرفة نقدية بذاته عبر مساءلة أربع علاقات مترابطة: الذات وصورتها؛ الذاكرة وسرديتها؛ الحقيقة ووقائعها؛ والاقتدار وحدوده الجسدية والاجتماعية والزمنية.


وهنا تتقاطع إسهامات ريكور ولاكان وفيغاريلو وفوكو دون أن تتطابق: ريكور يعيدنا إلى الذات القادرة والذاكرة والسرد والاعتراف؛ ولاكان يحذر من شفافية الذات المزعومة ومن أسر الصورة؛ وفيغاريلو يعيد التاريخ إلى الجسد؛ وفوكو يكشف حضور السلطة في إنتاج الأجساد والخطابات والممارسات.


ومن هذا التقاطع يمكن القول إن جسم المحاماة لا يصبح ذاتًا مهنية مقتدرة لمجرد امتلاكه ذاكرة مشتركة أو مؤسسات تمثيلية أو قدرة على التعبئة؛ وإنما حين يستطيع أن ينظر إلى نفسه دون أن يقع أسير صورته عن نفسه، وأن يستدعي ذاكرته دون أن يحولها إلى أسطورة ملزمة للحاضر، وأن يبحث عن الحقيقة حتى عندما تزعج سرديته، وأن يصغي إلى جسده حين يكشف عن التعب والهشاشة، وأن يحول كل ذلك إلى معرفة تساعده على مراجعة وسائله وتجديد اقتداره.


في الباب الختم التوقعي :

إذا كانت الذاكرة تساعد جسم المحاماة على معرفة من أين أتى، والحقيقة على إدراك أين يقف، فإن التفكير التوقعي يضعه أمام السؤال الأهم: إلى أين يمكن أن يصير؟.


فالوعي بالذات لا يكتمل باستحضار تاريخ القوة والصمود، بل بالقدرة على قراءة ما يتغير داخل الجسم نفسه: تفاوت الهشاشة، وتحولات الأجيال، وكلفة الوسائل، وتبدل علاقة المهنة بالدولة والمجتمع والعدالة؛ ومن ثم لا تكون مراجعة الذاكرة انتقاصًا منها، ولا الاعتراف بالتعب نفيًا للاقتدار؛ بل تصبح الحقيقة حوكمةً للذاكرة، والهشاشة معرفةً بحدود القوة، والتقييم أداةً لاستدامتها.


وهنا ينتقل جسم المحاماة من مجرد ذاكرة للاقتدار إلى اقتدار على صناعة المستقبل: فلا ينتظر التحولات كي تفرض عليه شكلها، بل يعرف نفسه بما يكفي ليستبقها، ويراجع وسائله بما يحفظ مبادئه، ويشارك بوعي في صناعة ما يريد أن يكونه.