سياسة واقتصاد

حملة انتخابية على إيقاع "تِيكِي تَاكَا"...أمام جمهور يشترط تعاقدا قبل صافرة الفوز

أحمد فردوس
تعج منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإليكترونية، بمشاهد التداريب اليومية، والإحماء، والإعداد البدني، والتربصات، واستعراض القوة، والهجوم المباغت، في سابقة كروية سياسية لم يشهد لها تاريخ الاستحقاقات مثيلا، بعد أن قرر جهابذة المشهد السياسي/الحزبي تحويل الحملة الانتخابية إلى مباراة في كرة القدم، حيث لم يعد المواطن بحاجة إلى قراءة البرامج الحكومية، بل يكفيه التزود بـ "صفارة" و"بطاقة حمراء" والاعتماد على تقنية "الفار" لمتابعة هذا السيرك السياسي البئيس.


كيف لا، وقد تحول الخطاب السياسي/الحزبي فجأة من الحديث عن التعليم، البطالة، الصحة، والفقر والغلاء، إلى تحليل الخطط التكتيكية واستدعاء روح المونديال، حيث يطل علينا القادة الجدد لـ "الجَّلْدَةْ" المنفوخة بالسياسة، وعلى رأسهم الثنائي الشهير "عزيز وفوزي" وكأنهما يمارسان هواية التمريرات القصيرة "التِّيكِي تَاكَا" أمام جمهور له رأي آخر.


عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، بات يخاطب الجماهير بنبرة مدرب محترف يَعِدُ بالوصول إلى المربع الذهبي للتنمية، متناسيا أن المدافعين/المواطنين أنهكهم الركض خلف خطة التنمية المستدامة التي لم تسجل حتى الآن سوى الأهداف العكسية في مرماهم. أما مهندس المالية والكرة، فوزي لقجع، فقد أتقن دور صانع الألعاب الذي يمرر الكرات المونديالية بدهاء الثعلب لتغطية أي تسلل حكومي في معركة الأسعار.


في هذه الحملة الإنتخابية، أصبح المونديال المأمول والكرة الساحرة هي الرصيد الإستراتيجي الحقيقي للحملة وبضع الأحزاب السياسية، فإذا سألت وزيرا "مرشحا" عن قطاع التعليم؟ أجابك بصلابة دفاع المنتخب. وإذا استفسرت عن ارتفاع أسعار الخضار واللحوم؟ رد عليك بمهارة المراوغة التي يتقنها المهاجمون في الأوقات الحرجة.


سبحان الله، وبقدرة قادر، أضحت البرامج السياسية خطة هجومية وهمية تعتمد على تمريرات غير دقيقة، وتحولت الوعود الانتخابية إلى ضربات جزاء خيالية يتم تنفيذها خارج المرمى بمهارة عالية. أما كارثة ارتفاع الأسعار فتعتبر خطأ تكتيكي من الحكم يتم تعليله بظروف أحوال الطقس والمباراة الصعبة. في حين يتم استغلال عرس المونديال من أجل تسجيل هدف في الوقت بدل الضائع للتغطية على تدني المستوى الفني.


في هذا السياق سجل مراقبون الانحطاط الساخر في مستوى الخطاب السياسي/الحزبي الذي لم يعد يثير الدهشة، بعد أن أصبح وسيلة الترفيه الأولى للجمهور، مقابل نجاح السياسيون في رفع مهاراتهم في المراوغة الكلامية، وإبعاد الكرة عن مرماهم السياسي، بينما بقي المواطن المسكين في مدرجات المشاهدين، يدفع ثمن التذكرة باهظا، وينتظر معجزة كروية تنهي هذه المباراة الطويلة بلا أهداف حقيقية.


لقد أثبت الجمهور/الناخبون في هذه المباراة السياسية، أنه لم يعد ذلك المشجع البسيط الذي يصفق لكل حركة استعراضية، بل أصبح بمثابة حكم "الفار" يرى التسلل واللمس اليدوي والعنف، مهما حاول اللاعبون الجدد التمويه أو التغطية، فضلا على أن المواطن استوعب مهارات المراوغة واستغلال النشوة الكروية مما غير قواعد "اللعب"، فالمباراة الانتخابية لم تعد تُحسم بشعار براق أو بوعد مونديالي، بل بنتيجة ملموسة على أرض الواقع.


أما بالنسبة للجمهور/الناخبين، فلم تعد تعليلات الظروف الجوية أو صعوبة المباراة تنفع، بعد أن تم تحديد شروط التعاقد الجديد بكامل الوضوح والتجرد، المتمثلة في: 


ـ أولا: تقديم أمثلة حية في المحاسبة والضرب بيد من حديد على كل من استغل منصبه، لأن بناء الثقة يبدأ بتنظيف الملعب من الأخطاء العنيفة. 


ـ ثانيا: المغادرة الفورية لكل مسؤول عجز عن تحقيق تطلعات الجمهور، دون منح وقت إضافي أو بدائل مريحة في دكة الاحتياط.


ـ ثالثا: إرجاع الروح للتعليم العمومي باعتباره القاعدة الأساسية لتأهيل العقول والمهارات، وليس مجرد قطاع هامشي.


ـ رابعا: الانتقال من الوعود الإحصائية إلى الفرص الحقيقية التي يلمسها الشباب في حياتهم اليومية.


إن هذه الشروط الأربع، هي الكفيلة بإسقاط كل محاولات التسلل السياسي، والإعلان عن النتائج الملموسة على أرض الواقع.


من جهة أخرى، يرى مراقبون أن "الأزمة" لم تكن يوما في قلة المساطير أو عجز النصوص القانونية، بل في غياب القرار السياسي الجريء الذي يملك الشجاعة لتفعيلها من داخل المؤسسات، على اعتبار أن التحول الديمقراطي الحقيقي لا يتحقق بالمسكنات الإدارية ولا بالتعديلات التقنية السطحية، بل يتطلب إرادة سياسية/حزبية تضع مصلحة الوطن وتطلعات المواطن فوق حسابات الريع وحماية التوازنات الفئوية الضيقة.


لقد أصبح من اللازم اتخاذ قرارات تنهي حالة التردد والتذبذب، وترسخ دولة القانون والمؤسسات، وتعيد للعمل السياسي/الحزبي معناه، وللمؤسسات المنتخبة هيبتها واستقلاليتها. بدون ذلك، يظل الحديث عن الانتقال الديمقراطي مجرد دوران في حلقة مفرغة، وتستمر الفجوة في الاتساع بين التطلعات الشعبية والممارسة السياسية على الأرض.


من الواجب على السياسي/الحزبي أن يحول الخطابات والمبادرات الملكية إلى "كتالوج" مرجعي بموجبه يتم ضبط وقياس الأداء الحكومي، ونقل الرسائل السياسية من حيز الإعلان إلى حيز المأسسة والتنفيذ التقني، على اعتبار أن الخطب الملكية في التقاليد الدستورية المغربية تشكل المرجعية العليا للسياسات العمومية، لأنها تحدد أهدافا استراتيجية صريحة مثل: ربط المسؤولية بالمحاسبة، الجدية، الدولة الاجتماعية، إعادة هيكلة القطاع العام، وتخليق الحياة العامة، وزجر الفساد وخيانة الأمانة واستغلال النفوذ.


إن اعتماد الخطب الملكية كـ "كتالوج" مرجعي يُجرّد العمل الحكومي والمؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية من العشوائية والوعود الفضفاضة، ويجعل الكفاءة والنزاهة هما شرط الاستمرار في إدارة الشأن العام الوطني.