فن وإعلام

كريمة أحداد: حين يغادر الهامشُ مكانَه ويصبحُ مركزًا للحكاية؟

عبد العزيز الخطابي

ليست الكتابة. في تجربة كريمة أحداد. فعلًا يأتي بعد الحياة. كأن الكاتبة تعيش أولًا ثم تجلس لاحقًا لتروي ما عاشته. الكتابة عندها تبدو أقرب إلى طريقة أخرى في الوجود؟ طريقة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية. واستعادة ما كان مهددًا بالضياع. ومنح الأشياء التي مرت في الهامش حقها في أن تُرى وتُسمّى وتدخل فضاء الحكاية. ولعل هذا ما يجعل عبارة «أنقذتني الكتب» التي تستهل بها سيرتها الأدبية أكثر من اعتراف شخصي؟ إنها تكاد تكون بيانًا جماليًا مختصرًا لمشروعها كله. فالكتاب عند كريمة أحداد ليس نافذة على العالم فحسب. وإنما نافذة على الذات أيضًا؟ والقراءة ليست جمعًا للمعارف. بل خروجًا من القفص الذي تصنعه الجغرافيا والطبقة والجندر والخوف والعادات. ثم عودة إلى العالم بوعي مختلف.

ولدت كريمة أحداد في الحسيمة سنة 1993. وعملت في الصحافة وإنتاج المحتوى الرقمي منذ سنة 2014، ثم كرست جانبًا أساسيًا من تجربتها للكتابة الأدبية. صدرت لها «بنات الصبار» سنة 2018 و«حلم تركي» سنة 2021. ثم «المرأة الأخرى» سنة 2024. فضلًا عن تجربتها القصصية الأولى التي ارتبطت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب. وهذه المعلومات الببليوغرافية. على أهميتها. لا تكفي لفهم مشروعها؟ لأن مسارها الأدبي لا يبدو سلسلة من الكتب المتجاورة. وإنما حركة داخلية واحدة تتغير أشكالها: من الطفولة إلى القراءة. ومن القراءة إلى الوعي. ومن الوعي إلى الكتابة. ومن الكتابة إلى مساءلة المجتمع. ثم إلى مساءلة الذات نفسها.

في مقالها السيري «من الهامش إلى العالم الشاسع» تستعيد أحداد طفولتها في الحسيمة. تلك المدينة التي تصفها بوصفها فضاءً مهمشًا يفتقر إلى كثير من البنى الثقافية. لكنها لا ترسم المكان بلغة الضحية المطلقة؟ فالحسيمة التي كانت تفتقر إلى المكتبات والمسارح وقاعات السينما كانت في الوقت نفسه مدينة البحر والجبال والحقول وحكايات الجدات. وهذه المفارقة ليست تفصيلًا عابرًا في سيرتها. بل يمكن النظر إليها باعتبارها البذرة الأولى لحساسيتها السردية: العالم قد يبدو فقيرًا إذا نظرنا إليه من جهة مؤسساته. لكنه يصبح غنيًا حين ننظر إليه من جهة البشر الذين يعيشون فيه. ومن جهة الحكايات التي تختبئ في البيوت والطرقات والذاكرة.

ولذلك فإن «الهامش» عند أحداد لا يعني المكان البعيد عن المركز فحسب؟ إنه مفهوم معرفي وأخلاقي وجمالي. الهامش هو الإنسان الذي لا يُسمع صوته. والمرأة التي تُختزل في وظيفة اجتماعية. والمدينة التي لا تدخل كثيرًا في الخرائط الأدبية. والحكاية التي تبدو صغيرة في نظر التاريخ لكنها ضخمة في حياة صاحبها. ومن هنا يمكن فهم ذلك الانتقال العميق الذي تقترحه تجربتها: ليست المسألة أن تغادر الحسيمة إلى إسطنبول. وإنما أن تنتقل من كونها موضوعًا ينظر إليه الآخرون إلى ذات تمتلك حق النظر والحكي والتأويل.

لقد كانت القراءة. في هذا المسار. فعلًا من أفعال التحرر. حين اكتشفت أحداد عبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ ومحمد شكري ومحمود درويش والماغوط والمعري والجاحظ وجلال الدين الرومي. ثم اتسعت قراءاتها إلى بلزاك وهوغو وفلوبير وكافكا وريلكه. وإلى جين أوستن وجورج إليوت وشارلوت برونتي وغيرهن، لم تكن تجمع أسماء في ذاكرة قارئة شغوفة؟ كانت. في العمق. تكتشف أن العالم الذي قيل لها إنه مغلق يمكن أن يكون مفتوحًا. وأن الحياة التي تبدو قدرًا يمكن أن تصبح سؤالًا. هنا يتحول الكتاب من شيء مادي إلى قوة فلسفية: إنه يعلّم الإنسان أن ما يعيشه ليس بالضرورة الشكل الوحيد الممكن للحياة.

وهذا ربما يفسر إصرارها على الربط بين القراءة والكتابة. فالكاتب. في تصورها. قارئ قبل أن يكون كاتبًا؟ والكتابة ليست خروجًا من القراءة وإنما امتداد لها. القارئ الذي يتعلم أن يسأل يتحول في مرحلة ما إلى كاتب يريد أن يعيد صياغة الأسئلة في هيئة شخصيات وأحداث وأمكنة. ولذلك فإن انتقال أحداد من القراءة إلى الكتابة لم يكن قفزة مفاجئة. بل نموًا طبيعيًا لبذرة كانت موجودة في طفولتها.

وعندما دخلت تجربتها الأدبية المجال المنشور. كان الانتقال من الهامش إلى المركز قد بدأ يأخذ شكلًا مؤسسيًا. فقد حصلت مجموعتها القصصية الأولى «نزيف آخر الحلم» على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في القصة القصيرة سنة 2015 بحسب مصادر ثقافية مستقلة. وهي الجائزة التي ارتبطت ببداية حضورها الأدبي المعروف. وتظل هذه اللحظة مهمة ليس لأنها منحتها اعترافًا فحسب. وإنما لأنها حولت الكتابة من حلم شخصي إلى وجود علني: اسم على غلاف. وكلمات تصل إلى قارئ لا تعرفه. وذات كانت تكتب لنفسها أصبحت فجأة مسؤولة أمام الآخرين عن عالمها المتخيل.

ثم جاءت «بنات الصبار» سنة 2018. وهي الرواية التي ستمنح تجربتها شكلها الأوضح. الرواية تتابع مصائر نساء من عائلة الزياني بعد وفاة الأب. وتدخل في شبكة معقدة من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية: المرأة. الإرث. الحريات الفردية. الهوية. اللغة. الوطن. والحراك الذي عرفته الحسيمة. وقد حصلت الرواية على جائزة محمد زفزاف للرواية باللغة العربية سنة 2020، ثم صدرت لها طبعة ثانية عن دار الفنك. 

لكن قيمة «بنات الصبار» لا تأتي من كونها رواية تحمل عددًا كبيرًا من القضايا الراهنة. فالكاتب يستطيع أن يحشد في كتاب واحد كل مشكلات المجتمع دون أن يصنع أدبًا. ما يمنح الرواية أهميتها هو تحويل القضية إلى حياة؟ أي أن القارئ لا يواجه «موضوع المرأة» باعتباره عنوانًا سياسيًا. بل يواجه نساءً لهن أجساد وذاكرة ورغبات ومخاوف وأحلام ومصائر. هنا تحديدًا يتحول الخطاب الاجتماعي إلى تجربة جمالية.

وهذه نقطة تكشف وعي أحداد بوظيفة الأدب. فهي نفسها تؤكد أن الرواية ليست منشورًا نضاليًا، وأن الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى درس أو خطاب مباشر، بل إن قدرته على التغيير تنبع من قدرته على خلق التعاطف. وهذه الفكرة أساسية لفهم رواياتها: القارئ لا يُطلب منه أن يوافق على أطروحة جاهزة؟ وإنما يُدفع إلى العيش داخل وعي شخص آخر. ومن هنا يبدأ التغيير الأكثر عمقًا. لأنه لا يحدث في مستوى الرأي وحده. وإنما في مستوى الحساسية الإنسانية.

ولعل عنوان «بنات الصبار» هو أجمل مفاتيح الرواية. الصبار نبات لا يحتاج إلى كثير من الماء لكي يبقى. يعيش في القسوة. يحمل أشواكه بوصفها وسيلة دفاع، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يزهر. إن الاستعارة هنا ليست زينة لغوية؟ إنها تصور كامل للمرأة التي تكتب عنها أحداد. المرأة ليست مخلوقًا هشًا ينتظر الإنقاذ، كما أنها ليست بطلة أسطورية خارقة لا تعرف الانكسار. إنها كائن يتعلم البقاء داخل شروط قاسية. ويطور أشواكه. ويقاوم الجفاف. ثم يبحث عن لحظة الإزهار.

وقد ارتبطت الرواية في استقبالها النقدي بمحاولة تصحيح الصورة النمطية للنساء المغربيات باعتبارهن ضعيفات أو خاضعات أو تابعات، وهي قراءة تتقاطع مع تصريحات الكاتبة نفسها حول شخصياتها النسائية. غير أن اختزال «بنات الصبار» في كونها رواية نسوية فقط سيكون ظلمًا لها؟ لأن القضية النسوية فيها متشابكة مع سؤال الطبقة والمكان والهوية والسلطة والذاكرة.

فالسلطة في عالم أحداد ليست دائمًا رجلًا يقف أمام امرأة. أحيانًا تكون السلطة عائلة. وأحيانًا قانونًا. وأحيانًا عادة. وأحيانًا فقرًا. وأحيانًا نظرة اجتماعية. وأحيانًا خوفًا استقر في داخل الإنسان حتى أصبح جزءًا من صوته الداخلي. وهذا الاتساع في مفهوم السلطة هو ما يجعل روايتها تتجاوز المواجهة السطحية بين الذكور والإناث إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تتشكل اختيارات الإنسان داخل منظومة لا يختارها بالكامل؟

ومن هنا تأتي أهمية الحسيمة في «بنات الصبار» فالمدينة ليست ديكورًا جغرافيًا. إنها ذاكرة وصراع وطبقة وتاريخ. وقد أشارت قراءات الرواية إلى أن الحسيمة نفسها كانت فضاءً سرديًا مهمًا في العمل. وهي مدينة ترى الكاتبة أنها ظلت مهمشة حتى داخل الأدب المغربي. وهذا يجعل اختيارها للمكان فعلًا أدبيًا له دلالة سياسية غير مباشرة: حين تجعل مدينة بعيدة عن المركز الحضري المغربي مركزًا للرواية، فإنها تعيد ترتيب الخريطة الأدبية نفسها.

هنا بالضبط يصبح الهامش مركزًا.

وهذه إحدى أجمل المفارقات في تجربة أحداد: كلما كتبت عن شخصيات تبدو هامشية، اكتشفت أنها هي الأكثر امتلاءً بالحياة. وكلما اقتربت من المناطق التي يتجاهلها الخطاب العام، وجدت مادة أكثر كثافة للرواية. كأن الأدب عندها يعمل ضد آلية النسيان: ما يتركه المجتمع خارج الصورة يعيده الروائي إلى داخلها.

ثم تأتي «حلم تركي» سنة 2021 لتفتح نافذة أخرى في المشروع. إذا كانت «بنات الصبار» قد جعلت الحسيمة مركزًا للحكاية، فإن «حلم تركي» تنقل السرد إلى إسطنبول. إلى فضاء الاغتراب والهجرة والحلم والهوية. وهنا يتغير السؤال: لم يعد السؤال كيف نعيش في الهامش، وإنما ماذا يحدث عندما نغادره؟ وهل يستطيع الإنسان أن يترك هامشه وراءه بمجرد أن يغير عنوانه؟

إسطنبول في هذا السياق ليست مجرد مدينة أخرى. إنها صورة للحلم نفسه. مدينة تبدو للقادم من الخارج كأنها وعد بحياة مختلفة. لكنها تكشف تدريجيًا أن المكان الجديد لا يضمن بالضرورة ولادة إنسان جديد. قد يغيّر الإنسان الشارع واللغة والجواز والجغرافيا، لكنه يحمل ذاكرته وخوفه ورغباته معه.

ومن هنا يصبح الاغتراب عند أحداد حالة داخلية قبل أن يكون جغرافيا. إن الإنسان قد يكون بعيدًا عن وطنه لكنه لا يزال مسكونًا به، وقد يكون قريبًا من الآخرين لكنه عاجز عن الوصول إليهم. وهذه إحدى السمات التي تمنح مشروعها بعده الإنساني: الجغرافيا تتغير، لكن سؤال الإنسان يبقى.

وفي «المرأة الأخرى» الصادرة سنة 2024 عن منشورات المتوسط، تبدو التجربة وكأنها انتقلت من المجتمع إلى الداخل. ومن السؤال السياسي والاجتماعي إلى السؤال النفسي. هنا تصبح المرأة الأخرى ليست مجرد شخصية تقف خارج الذات. بل مرآة لها. وشهرزاد، بطلة الرواية، تحمل اسمًا يوقظ فورًا ذاكرة «ألف ليلة وليلة» لكن أحداد تعيد إنتاج هذا الاسم داخل عالم معاصر أكثر تعقيدًا.

شهرزاد الجديدة لا تواجه سلطانًا يهددها بالموت كل ليلة. وإنما تواجه عالمًا ثقافيًا يمكن أن يقتل الحلم بطريقة أقل وضوحًا: بالرداءة. والنفاق. والاعتبارات التجارية. والتهميش. والنظرة الدونية إلى كتابة النساء. وفي حوارها حول الرواية. ربطت أحداد تجربة شهرزاد بما وصفته بأشكال من الفساد الثقافي. من النفاق والرداءة والاعتبارات التجارية في النشر إلى النظرة التي تحتقر الكاتبات وكتاباتهن. 

وهنا تبلغ استعارة شهرزاد ذروتها: في الحكاية القديمة كانت المرأة تحكي كي تؤجل الموت؟ وفي الرواية الجديدة تحاول المرأة أن تحكي كي تمنع موت حلمها.

وهذا انتقال بالغ الدلالة.

فالحكاية لم تعد فقط وسيلة لإنقاذ الجسد؟ أصبحت وسيلة لإنقاذ المعنى.

إنها محاولة لأن تقول المرأة: أنا موجودة. وأنا أرى، وأنا أفكر. وأنا أكتب، وبالتالي لا يمكن اختزالي في الصورة التي يرسمها الآخرون لي.

لكن «المرأة الأخرى» تذهب أبعد من ذلك. فالصراع فيها لا يظل بين المرأة والرجل. وإنما ينتقل إلى داخل المرأة نفسها. إلى الغيرة والمقارنة والرغبة والهوس والسؤال عن الذات. المرأة الأخرى تصبح مرآة للذات. وربما يصبح سؤال شهرزاد الحقيقي ليس «من هي نجوى؟» وإنما «من أكون أنا أمام نجوى؟».

وهنا تتخلص الكتابة من التفسير الاجتماعي المباشر وتدخل المنطقة النفسية. فالإنسان لا يعيش فقط في المجتمع؟ إنه يعيش أيضًا داخل الصور التي يصنعها عن نفسه وعن الآخرين. وقد تكون صورة الآخر أكثر قوة من الآخر نفسه.

وهذا يفسر حضور «المرأة الأخرى» بوصفها فكرة تتجاوز شخصية بعينها. إنها المرأة التي نقارن أنفسنا بها. المرأة التي نخاف منها. المرأة التي نريد أن نكونها. المرأة التي نكرهها لأنها تكشف شيئًا لا نريد أن نراه في أنفسنا.

بهذا المعنى، فإن أحداد تنتقل من سؤال الحرية الخارجية إلى سؤال الحرية الداخلية.

وهذا الانتقال هو ما يجعل مشروعها الروائي أكثر نضجًا من مجرد كتابة احتجاجية. ففي البداية يكون السؤال: لماذا لا تستطيع المرأة أن تختار؟ ثم يصبح: ماذا تفعل المرأة عندما تحصل على مساحة الاختيار؟ وكيف تتعامل مع الحب والرغبة والغيرة والفشل والوحدة؟ ثم يصل السؤال إلى منطقة أكثر قسوة: هل يمكن للإنسان أن يكون حرًا من الآخر، أم أنه يحمل الآخر داخله باستمرار؟

من هنا يمكن قراءة الروايات الثلاث باعتبارها ثلاث حركات في سؤال واحد. «بنات الصبار» تسأل عن المرأة داخل المجتمع. «حلم تركي» تسأل عن الإنسان خارج وطنه. «المرأة الأخرى» تسأل عن الإنسان داخل ذاته. الأولى تتحرك في فضاء اجتماعي. والثانية في فضاء جغرافي، والثالثة في فضاء نفسي. لكن الخيط الذي يصل بينها جميعًا هو البحث عن الحرية.

والحرية عند أحداد ليست شعارًا. إنها شيء أكثر هشاشة: القدرة على أن يختار الإنسان حياته دون أن تكون اختياراته مفروضة عليه مسبقًا.

وهنا تتقاطع سيرتها الشخصية مع مشروعها الروائي. دون أن يعني ذلك أن الروايات سيرتها الذاتية. هناك فرق ضروري بين الكاتب وشخصياته. السيرة تقدم مفاتيح. لكنها لا تفسر كل شيء. الحسيمة في حياتها ليست بالضرورة الحسيمة نفسها في الرواية. والكاتبة ليست شهرزاد. وإسطنبول الواقعية ليست إسطنبول المتخيلة. الروائي يأخذ من حياته المادة الخام ثم يعيد تشكيلها حتى تصبح حياة أخرى.

ولعل هذا هو معنى الأدب في أفضل حالاته: ألا يكرر الحياة. بل يعيد اختراعها.

كريمة أحداد لا تكتب عن المرأة لأنها تريد أن تنتج نسخة أدبية من خطاب حقوقي؟ إنها تكتب عنها لأنها ترى في حياتها مادة إنسانية هائلة. وفي حوارها سنة 2024 أوضحت أن حضور النساء القويات في رواياتها ليس مجرد اختيار أيديولوجي، وإنما انعكاس لما رأته في الواقع من نساء قويات ومكافحات وقادرات على التضامن والبقاء. 

وهذا مهم جدًا؟ لأن الأدب النسوي الضعيف هو الذي يستبدل صورة نمطية بصورة نمطية أخرى: امرأة ضحية دائمًا في مقابل رجل شرير دائمًا. أما الأدب الأقوى فهو الذي يعيد للإنسان تعقيده. ويترك للشخصيات حق الخطأ والتناقض والرغبة والأنانية والحب والضعف والقوة. ومن هذه الزاوية. تبدو شخصيات أحداد محاولة لاستعادة إنسانية المرأة قبل أي شيء آخر.

إنها لا تريد امرأة مثالية. تريد امرأة حقيقية.

وهذه الواقعية تمتد إلى اللغة أيضًا. فالأسلوب الذي ارتبط بتجربتها يقوم، بحسب استقبال أعمالها، على لغة بسيطة وساخرة وشاعرية، وعلى الابتعاد عن الخطابة المباشرة رغم حساسية القضايا التي تتناولها. وهذا الخيار الجمالي بالغ الأهمية، لأن الرواية التي تحمل قضية لا تحتاج بالضرورة إلى أن ترفع صوتها. أحيانًا تكون الهمسة أكثر قدرة على اختراق القارئ من الصرخة.

ولذلك فإن السخرية عند أحداد ليست مجرد وسيلة للمرح. إنها أداة لتعرية التناقض. إنها تجعل السلطة أقل مهابة. والعادات أقل قداسة، والأفكار الموروثة قابلة للنظر من الخارج. والسخرية في جوهرها فعل فلسفي. لأنها تضع المسلّمات أمام مرآة لا ترحم.

غير أن النقد الأدبي الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى احتفاء مطلق. ويمكن تسجيل سؤال مشروع حول كثافة القضايا في بعض أعمالها: هل تنجح الرواية دائمًا في جعل الفكرة تنبثق من الشخصية. أم أن الفكرة قد تتقدم أحيانًا على الشخصية؟ وهل تستطيع بعض الشخصيات أن تعيش خارج الوظيفة التي منحها لها الموضوع الاجتماعي؟ وهل تؤدي الرغبة في كشف المسكوت عنه أحيانًا إلى مباشرة سردية أكبر مما يحتمله الفن؟

هذه أسئلة لا تنتقص من المشروع. بل تمنحه فرصة الدخول في نقاش نقدي حقيقي. فالكاتب الذي لا يثير اختلافًا نقديًا لا يزال في كثير من الأحيان خارج دائرة الأدب الحي. وقيمة كريمة أحداد اليوم أنها بدأت تنتقل من مرحلة التعريف بها بوصفها «روائية شابة» إلى مرحلة التعامل مع أعمالها باعتبارها نصوصًا قابلة للتحليل والتأويل والاختلاف.

وهذا الانتقال تؤكده بداية حضور أعمالها في البحث الأكاديمي والنقد المتخصص. ولا سيما مع الدراسات التي تناولت «المرأة الأخرى» من زاوية الغيرية والأنساق الثقافية والهوية والسلطة. وهذا يعني أن الرواية لم تعد تقف عند حدود التلقي الصحفي. وإنما بدأت تدخل فضاء السؤال الأكاديمي.

في النهاية، ربما لا تكون المسألة الأهم في تجربة كريمة أحداد أنها خرجت من الحسيمة إلى إسطنبول. ولا أنها أصبحت روائية بعد أن كانت فتاة تبحث عن الكتب. ولا حتى أنها حققت جوائز ونشرت أعمالًا وترجمت نصوصها. المسألة الأعمق هي أن هذه الرحلة كلها أعادت تعريف العلاقة بين المركز والهامش.

فالهامش ليس دائمًا المكان الذي ينبغي أن نهرب منه.

أحيانًا يكون الهامش المكان الذي نكتشف فيه الحقيقة التي لم يرها المركز.

وأحيانًا يكون المركز نفسه أكثر فقرًا من الهامش؟ لأنه يملك المؤسسات لكنه يفتقر إلى الحكايات.

ومن هنا يمكن فهم القيمة الفلسفية العميقة لعبارة «من الهامش إلى العالم الشاسع». لقد خرجت كريمة أحداد من الهامش. لكنها لم تتخل عنه. حملته معها. ثم أعادت كتابته. جعلت منه مادة للرواية. وجعلت نساءه وشخصياته وأحلامه وخيباته يدخلون إلى فضاء الأدب.

وهذا هو الإنجاز الحقيقي للكاتب: ليس أن يهرب من الهامش. وإنما أن يجعل العالم كله يلتفت إليه.

لقد بدأت الرحلة بطفلة اكتشفت أن الكتاب يمكن أن يفتح نافذة في رأسها، وانتهت بكاتبة تفتح عبر كتبها نوافذ في رؤوس الآخرين. بين اللحظتين تقع فلسفة كاملة للكتابة: القراءة تحرر الإنسان من حدود تجربته. والكتابة تمنحه القدرة على إعادة العالم إلى الآخرين في صورة أكثر اتساعًا.

لذلك فإن كريمة أحداد لا تكتب فقط عن النساء اللواتي يعشن في الهامش؟ إنها تكتب ضد فكرة الهامش ذاتها.

تكتب لكي تقول إن الإنسان الذي لا يظهر في مركز الصورة ليس أقل أهمية من الإنسان الذي يقف فيه.

وأن المرأة التي لم يُسمح لها أن تتكلم يمكن أن تصبح راوية.

وأن المدينة التي لا يلتفت إليها أحد يمكن أن تصبح فضاءً روائيًا.

وأن الحكاية التي تبدو صغيرة قادرة على أن تحمل أسئلة كبرى عن الحرية والهوية والحب والسلطة والموت والرغبة.

وهنا تحديدًا يصبح الأدب فعلًا فلسفيًا: إنه لا يغير العالم بقرار. ولا يسقط جدارًا بضربة واحدة. لكنه يغير الطريقة التي نرى بها الجدار، ويجعلنا نسأل للمرة الأولى: من بناه؟ ولماذا قبلنا أن نعيش خلفه؟

وربما لهذا السبب كانت الكتب. في سيرة كريمة أحداد، نجاة قبل أن تكون مهنة. وكانت الكتابة حياة ثانية قبل أن تكون مشروعًا أدبيًا.

إنها الرحلة من فتاة تبحث عن كتاب في مدينة بعيدة عن المركز، إلى كاتبة تجعل العالم يبحث عن الحكايات التي كانت مختبئة في تلك المدينة.