مجتمع وحوداث

البطالة بالمفهوم الضيق... أم الحكومة بالمفهوم الضيق؟

فاطمة الزهراء باتا

مرة أخرى، يخرج مسؤولو الأغلبية للاحتفاء بأرقام البطالة، وكأنهم حققوا النصر المبين، مستندين إلى تراجع معدل البطالة من 10.8% إلى 9.5% خلال الفصل الثاني من سنة 2026. لكن الحقيقة أن "المفهوم الضيق" ليس في البطالة، بل في الفهم الضيق الذي تتعامل به الحكومة مع التقارير الرسمية.

ذلك أن الحكومة اعتادت أن تقرأ من تقارير المؤسسات الوطنية ما يخدم خطابها السياسي، وتتجاهل ما سواه. فهي تنتقي رقماً واحداً، ثم تبني عليه رواية كاملة عن نجاح سياساتها، بينما تتجاوز عمداً بقية المؤشرات التي ترسم صورة مختلفة تماماً عن واقع سوق الشغل. وليس هذا السلوك جديداً، فالحكومة لطالما دأبت على تدليس الأرقام وتضخيم المنجزات بما يخدم خطابها السياسي، ولو كان ذلك على حساب القراءة الموضوعية للمعطيات الرسمية.

فالتقرير نفسه الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، والذي استند إليه رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، لا يكتفي بالحديث عن معدل البطالة بالمفهوم الضيق، بل يكشف أيضاً أن المعدل المركب للبطالة والشغل الناقص يبلغ 14%، وأن المعدل المركب للبطالة والقوة العاملة المحتملة يصل إلى 14.7%. كما يؤكد أن بطالة الشباب ما تزال في حدود 27.2%، وأن بطالة حاملي الشهادات العليا تبلغ 16.7%، وهي أرقام لا تنسجم إطلاقاً مع الخطاب الاحتفالي الذي تحاول الحكومة تسويقه.

والأكثر من ذلك، أن والي بنك المغرب، في تقريره السنوي المرفوع إلى جلالة الملك حول سنة 2025، أكد بوضوح أن معدل البطالة بلغ 13%، وأن انتعاش النمو الاقتصادي لم يكن كافياً لإحداث انخفاض ملموس في البطالة، مشدداً على أن التشغيل ما يزال الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني. فهل أخطأ بنك المغرب في قراءة الواقع، أم أن الحكومة هي التي اختارت أن تقرأ نصف الحقيقة فقط؟

إن المغاربة لا يعيشون داخل الجداول الإحصائية، بل يعيشون في سوق الشغل الحقيقي. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت الحكومة قد نجحت فعلاً في معالجة البطالة، فلماذا لا يزال عشرات الآلاف من الشباب يبحثون عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم؟ ولماذا تستمر هجرة الكفاءات؟ ولماذا يبقى الشباب أكثر الفئات يأساً من الاندماج في سوق الشغل؟

إن ما وقع أخيراً يجب أن يكون جرس إنذار، لا مادة للتجاهل و التهكم. فحين يفقد شباب مغاربة الأمل في المستقبل، فإن ذلك يكشف بوضوح حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

والمؤسف أن الحكومة، بدل أن تواجه هذا الواقع بشجاعة ومسؤولية، اختارت أن تحوله إلى حملة تواصلية. فأصبحت الأرقام تُستعمل كشعارات انتخابية، لا كمؤشرات لتقييم السياسات العمومية. وهذا انتقاص من قيمة المؤسسات الوطنية نفسها، لأن التقارير الرسمية ليست قائمة طعام نختار منها ما يعجبنا ونترك ما لا يخدم خطابنا.

إن النجاح الحقيقي لا يُقاس بانخفاض رقم في فصل واحد، وإنما بقدرة الاقتصاد على خلق مناصب شغل مستقرة وكريمة، وبقدرة الشباب على بناء مستقبلهم داخل وطنهم. والحديث عن الإنجازات يقتضي قراءة شاملة للواقع، لا أن يتحول مؤشر ظرفي أو جزئي إلى شهادة نجاح شاملة لحكومة ما تزال تواجه تحديات بنيوية في التشغيل، والقدرة الشرائية، والاستثمار المنتج، وجودة فرص العمل.

وفي النهاية، يبقى السؤال البسيط الذي ينتظر المغاربة جوابه: إذا كانت الحكومة مقتنعة بأن سياساتها نجحت إلى هذا الحد، فلماذا لا يزال الواقع اليومي للمواطنين يقول شيئاً آخر؟

ولعل المشكلة، عند حكومة الكفاءات، ليست في البطالة بالمفهوم الضيق، وإنما في مكوناتها التي لا تقرأ التقارير إلا بالمفهوم الضيق، ولا ترى من الواقع إلا ما يصلح للدعاية السياسية.