يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو يسابق الزمن للحفاظ على مركزه الأول في سلم الأغلبية، والذي جعل الله له من إسمه بعض النصيب، يصر على الظهور بمظهر الحزب الأول القادر على تجميع أكبر عدد من الشباب، حتى وإن فقد الحزب البوصلة واتجه نحو الجامعة العمومية التي أريد لها اليوم، أن تكون منصة لتلميع صورته عبر تسويق خطاب انتخابي سابق لأوانه في المكان والزمان الخطأ، لأن الزج بمؤسسات التعليم العالي، والتي هي بالمناسبة فضاءات عمومية يفترض فيها أن تبقى بمنأى عن كل أشكال التوظيف والدعاية، وألا تساهم أبدا في صناعة مشاهد دعائية زائفة لا تغير من الواقع شيئا، في الوقت الذي تعجز فيه الحكومة عن إقناع المواطنين بالإنجازات، يبحث الأحرار عن التضليل من داخل المدرجات.
إن العبث بحرمة الجامعة تجاوز لا يمكن تبريره تحت أي مصوغ، لأن استقلاليتها مبدأ أساسي يجب احترامه، وأنه من المؤسف اليوم أن يتحول فضاء العلم إلى مسرح لحملات سياسية سابقة لأوانها، في استخفاف واضح برسالة التعليم العالي وبذكاء الطلبة الذين لا يحتاجون إلى من يوجه اختياراتهم من داخل مؤسساتهم الجامعية.
إن الجامعة ليست ملحقة تنظيمية لأي حزب سياسي، مهما علت درحات وطنيته، وليست منصة لتوزيع الوعود أو صناعة الولاءات، ومن يعتقد أن النفاذ إلى الحرم الجامعي يمنحه شرعية سياسية، إنما يكرس منطق الهيمنة على المؤسسات بدل احترام استقلاليتها، لهذا وجب علينا أن نهمس في الآذان قائلين: بأن الدعاية الانتخابية مكانها الشارع والساحات والمقرات، أما الجامعة كانت وستظل مكانا للفكر والبحث العلمي والنقاش الأكاديمي الحر والنقد الهادف.
إن الدفاع عن استقلال الجامعة اليوم هو دفاع عما تبقى من أخلاق العمل السياسي، ورفض مبدئي قاطع وحازم لتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات في خدمة أجندات انتخابية ضيقة، مهما كان الحزب الذي يقف وراءها، وأن كل أشكال الهيمنة الجديدة التي يمارسها هؤلاء، تشرعن كل ما كان في السابق ممنوعا، وأن من يقامر بالجامعة كمن يلعب بالنار، لأن الجامعة ليست سوقا للاتجار، فحذاري من فتنة نائمة كنا في غنى تام عن إيقاظها.






