عاتب الملك أهل سلا قائلا... «سيمكن لي أن أعاتبكم شيئا ما، لأنكم أنتم أهل سلا انكمشتم شيئا على أنفسكم فعليكم أن تنفتحوا على نواحي أخرى» ووعد الحسن الثاني السلاويين قائلا... «سوف تبقى آذاننا دائما صاغية ولو للخفيت من أصواتكم وأن قلوبنا ستبقى مفتوحة ولو بهمسات طلباتكم وأن أعيننا ستبقى ناظرة ولو لبريق قليل من التماسكم».
انتظار أربعين سنة
كان الحسن الثاني قد أمر بإصلاح وترميم مدخل باب الخميس وتحويل برج المراقبة إلى قاعة فسيحة صالحة لأن تكون مركزا ثقافيا بامتياز... هذه القاعة الفسيحة جمعت بين التراث التاريخي والتجهيزات العصرية... هذه الهدية الثمينة حار السلاويون في طريقة التعامل معها واستغلالها.. وتضاربت الاقتراحات وظلت تلك البناية الرائعة مقفلة طيلة أربعين سنة إلا من استثناءات نادرة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة... وتغيرت المجالس المنتخبة وتغير العمال ووزراء الثقافة وظلت الأبواب مقفلة مما أثر سلبا على التجهيزات... وتناسى السلاويون الموضوع.
جاء الفرج
منذ بضعة أشهر جاء الفرج، وسُمح لجمعية أبي رقراق بالسهر على هذه البناية والقيام بأنشطة ثقافية وفنية في أحضانها... وجاءت مناسبة مهرجان «مقامات» في دورته السادسة عشرة فبادر السيد عبد المجيد فنيش ببرمجة افتتاح المهرجان الثقافي في أحضان تلك القاعة التي أرادها الحسن الثاني مجالا للحوار والإبداع... بالمناسبة اقترح عليَّ أن أقدم وأوقّع آخر إصداراتي... «سلا بعيون أجنبية».
عين استعمارية
أمام حشد من سكان المدينة، وعدد من أطرها البارزة ألقيت عرضا حول مؤلفي وأسباب نزوله وأهم مضامينه... والكتاب أصلا يعتمد على تقرير استخباراتي وجّهه المراقب المدني الفرنسي على مدينة سلا إلى وزارة الخارجية سنة 1937 ... قلت بأن هذا التقرير جاء نتيجة «تسرب المسؤول الفرنسي إلى المجتمع السلاوي والتقرب من النخبة البرجوازية والعلمية والمهنية... حيث حصل على كثير من المعلومات حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحياتية اليومية إلى جانب اهتمامه «كعين» استعمارية مراقبة للنخب الوطنية وتحركاتها وعلاقاتها مع الوطنيين في مدن آخرى.
وخلصتُ إلى التأكيد بأن هذه الوثيقة التي ظلت، لمدة طويلة رهن التكتم ستنضاف إلى وثائق مشابهة تُكوّن جزءاً من الذاكرة السلاوية التي لابد من الحفاظ عليها والاستعانة بمحتوياتها لتكوين نظرة دقيقة حول تاريخ موغل في القدم إلى جانب حركة وطنية نشيطة وعنيدة.
اقتراح ومساهمة
بعد ذلك أخبرت الحضور بأني بمجرد دعوتي إلى هذا الافتتاح، ورغبةً في ترسيخ هذا الرواق، كفضاء للثقافة والإبداع اقترحت إقامة خزانة يتطوع السلاويون بمدها بالكتب والمؤلفات وتكون منفتحة على التلاميذ والطلبة والباحثين.
في هذا الإطار دشنت هذا الاقتراح بإهداء حوالي مائتي مؤلف من خزانتي الشخصية إلى خزانة «رواق باب فاس»... وتضم هذه الهدية كتباً في ميادين علمية وأدبية وتاريخية واقتصادية... وضعها المنظمون في رفوف وبترتيب جيد... ووضعوا في أعلاها لافتة كُتب عليها اسم صاحب الهدية... في كلمتي أكدت على ضرورة أن تنتقل الكتب إلى القراء بعد أن استعصى انتقال القراء إلى الكتب والمؤلفات.. ورجوت أن تتسع هذه الخزانة بما قد يرد عليها من مساهمات ووعدت بأني سأقوم بتوفير دفعة جديدة من مائتي كتاب في ميادين مختلفة...
برج الدموع
والحقيقة أننا قضينا أربعين سنة في الانتظار والتساؤل والحيرة قبل أن تسفيد المدينة من هدية الحسن الثاني... والغريب أن هذه التجربة المؤلمة لم تقتصر على هذا الرواق، بل لازالت المدينة تُعاني من قصة مماثلة وهنا يتعلق الأمر «ببرج الدموع». إنها قلعة يزيد وجودها عن ألف سنة. وبتعليمات من جلالة الملك محمد السادس قامت القوات المسلحة الملكية بترميمها وإعدادها لتكون «متحفا».. ومنذ ما يزيد عن عشرين سنة والبرج مُغلق وما تضمنه من آلات التدفئة والإنارة ومحاربة عوامل البحر تتآكل ويسودها الصدأ... حتى المدافع التي وضعت في سطح البرج اختفت... فهل سيتطلب الأمر مرور أربعين سنة حتى نستفيد من هدية محمد السادس وحتى يتفق المسؤولون عن الجهة الموكل إليها تدبير شؤون هذا التراث التاريخي المادي النادر. إنها في نهاية الأمر "دموع بدون برج".






