سياسة واقتصاد

محاولة تحليل خلفيات وتوقيت قرار إلغاء الساعة الإضافية..

نزار خيرون (تدوينة)

بعدما أعلن رئيس الحكومة عن قرار إلغاء الساعة الإضافية، خرج عددٌ من المفروض عليهم تلميع صورة أخنوش والحزب الذي يمثله للحديث عن القرار كأنه فتحٌ مبين ويشكرون أخنوش عليه فيما اعتبروه أنه ليس للكسب الانتخابي وأنه بذلك قطع على حزب العدالة والتنمية الطريق لاستغلاله في الحملة الانتخابية المزمع تنظيمها في شتنبر المقبل.


لكن ألم يتساءل هؤلاء لماذا هذا القرار في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا أخنوش طيلة خمس سنوات لم يحرك فيه ساكناً رغم المطالبات التي تمت بإلغائها منذ تعيين الحكومة؟ ولعلّ جميعنا يتذكر في نونبر 2021 أي شهرا واحداً بعد تعيين الحكومة، تعهد الناطق الرسمي باسم الحكومة، بدراسة ومراجعة قرار الساعة الإضافية، لكن عاد بعدها وتهرّب عن الإجابة عن سؤال الصحافيين بهذا الخصوص، بل طالب في "الأوف" بعض الصحافيين بعدم إحراجه بطرح هذا السؤال خلال الندوة الصحافية الأسبوعية.


وقد طوى الزملاء الصحافيون هذا الموضوع، واستنتجوا أن هذه الحكومة لن تُحرّك ساكناً في ملف إلغاء الساعة الإضافية، ومضى على ذلك أزيد من أربع سنوات ونصف، وبالضبط في أبريل 2025، حتى أعاد الزميل مصطفى الحجري عن موقع نيشان طرح نفس السؤال على الناطق الرسمي باسم الحكومة في ندوة الخميس، إلا أن الوزير تهرّب من الجواب كعادته، يعني أن الحكومة خمس سنوات لم تستطع حتى أن تُجيب جواباً بهذا الخصوص، أي أنها لم تكن تملك فيه قراراً واضحاً، ولا حتى فكرة المُبادرة فيه. 


وفي أقل من سنة بعدها خرج حزب العدالة والتنمية ببلاغ رسمي لأمانته العامة أعلنت فيه تبنيها الرسمي لمطلب إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى التوقيت القانوني، في ظل الجدل المتواصل الذي يثيره هذا الموضوع لدى الرأي العام، مؤكدا أنه سيعمل بكل الوسائل المتاحة للدفع نحو تحقيق هذا المطلب، داعياً الحكومة إلى الوفاء بالتزاماتها السابقة بخصوص إعادة النظر في الساعة الإضافية، ومذكّراً بتصريحات رسمية سابقة تحدثت عن إمكانية التراجع عنها، دون أن يتم تفعيل ذلك.


ثم بعدها خرج الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الأستاذ عبد الإله ابن كيران خلال لقاء تواصلي مع أعضاء الحزب بالخميسات، في بداية أبريل 2026، حيثُ تعهّد بأول قرار عند ترؤس الحزب للحكومة وهو إلغاء الساعة الإضافية، وهو التعهد الذي لقي ترحاباً شعبيا، ورفضه هؤلاء الذين يعدّدون اليوم منافع إلغاء الساعة الإضافية ويهللون لرئيس الحكومة ويعتبرون أنه ماضٍ فيما اعتبروه زوراً تفكيك الإرث الثقيل لحكومتي البيجيدي، سبحان الله، حينما تعهد بذلك الأستاذ ابن كيران اعتبروه مزايدةً وأن القرار ليس بيد الحكومة، واليوم حينما أعلن عنه رئيس الحكومة يروجون له كالفتح المبين، يا للمفارقة إنها حافظة النقود ودفتر الشيكات وسحرهما على الأنفس والمواقف ولايخجلون في أن يسقطوا في الأمر ونقيضه دون أن يرف لهم جفن.


لماذا كل ما سبق؟ لأنه سيساعدنا في تفكيك الغايات من هذا القرار في هذا التوقيت، فأخنوش ذكر أن القرار جاء استجابةً للمواطنين، وهو حق يرادُ به باطل، فمنذ متى يهتم أخنوش بالصحة النفسية للمواطنين ولا بمطالبهم، حتى يستيقظ فجأة ضميره اليوم ويفكر فيهم، وهو الذي كان غائباً طيلة خمس سنوات، عن هموم وتطلعات المواطنين، يتفرّجُ عليهم وهم يكتوون بنار الغلاء والتضخم، يصمُّ آذانه وهم ينادون بصحة جيدة ومنهم من توفي على أبواب المستشفيات في مدينة يترأس مجلسها البلدي. 


لقد نهج أخنوش سياسة النعامة إذ دسّ رأسه في الرمال عند كل أزمة يكتوي بها المواطن المغربي، ولم يكثرت له بتاتاً، بل ولم يكلف نفسه حتى التواصل معه في عز الازمات، بل ظل في مقعد المتفرج طيلة هذه المدة، يحرُس فقط مصالحه الشخصية والعائلية، يشاهدُ ثروته تتضاعف في منصة فوربس، وأسهم شركاته تتألق في سماء البورصة، ويُمَكّن لنفسه ولمقربيه من الصفقات ذات الأرباح الخيالية، مستغلاًّ صفته الحكومية، وأغلبيته البرلمانية التي تُفصّل القوانين على المقاس.


أخنوش بإعلانه لذلك القرار، وإن كان غيرُ معني بالانتخابات كشخص، لكنه عازمٌ على العودة إلى رئاسة الحكومة بشكل شخصي، او على الأقل من خلال حزبه، وبالتالي فالرهان الانتخابي حاضرٌ بقوة لحزبه، كما أنه اختار موعد تطبيق القرار ثلاثة أيام قبل موعد الاقتراع بدقة آملا ان ينسى الناس الكوارث والأزمات المؤلمة التي عاشوها طيلة الخمس سنوات العِجاف معه ومع وحكومته.


كيف لا وفي عهده عانى الناس الأمرّين، و خرجت كل الفئات للاحتجاج في الشارع، وتهدّد السلم الاجتماعي، بل شهدنا أكبر هجرة جماعية شبابية في تاريخ المغرب، ووصلت البطالة إلى نسبة 13,5% وهي نسبة لم يشهدها المغرب منذ 26 سنة، وعرف التضخم مستويات غير مسبوقة وحُرم عدد من الارامل من التغطية الصحية، وحُرم عدد من المواطنين من الدعم المباشر وهم يستحقونه، في المقابل، وفي الوقت الذي قام فيه بسحب قانون الإثراء غير المشروع، تمتّع أخنوش ومن معه بتضارب المصالح وبالصفقات على المقاس في الادوية، وتحلية مياه البحر، ومقربوه حزبيا من دعم استيراد المواشي، وقام بالتمكين لذوي القربى في المناصب العليا، حتى أن حكومته وُصمت بحكومة إغناء الغني وتفقير الفقير.


كيف تذكّر أخنوش أخيراً مطالب الناس وهو قبل أيام قليلة صوت حزبه ضد تسقيف أسعار المحروقات وتأميم لاسامير ورفضه المشاركة في تشكيل لجنة تقصي الحقائق في دعم استيراد الأضاحي بمجلس النواب، لا لم يتذكر مطالب الناس بل إنه وجد أمامه حزب العدالة والتنمية يتمتع بشعبية كبيرة، وهو يشاهد الالتفاف الشعبي حوله في الجهات التي يزورها أمينه العام ويحقق تواصليا فعّالاً فيها وربما بهذا التعهد قد يحصُل على أصوات كثيرة من الناس ويحصد عائداً انتخابياً مهما، ولذلك سارع الخطى لإعلانه قبل موعد الانتخابات، لكسبه كورقة انتخابية لصالح حزبه ولم لا قطع الطريق على حزب العدالة والتنمية كعادته كيف لا وهو الذي يسوق نفسه أنه الوحيد القادر على ذلك، لكنه عبثاً يحاول.