يُعد الصيام من أقدم الشعائر التي عرفتها البشرية، فهو ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو ظاهرة إنسانية وروحية وعلاجية امتدت عبر العصور لتؤكد حقيقة واحدة صاغها القرآن الكريم في قوله تعالى: {… وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184].
الصيام بمفهوم العبادة في الديانات السماوية
الصيام في الأديان التوحيدية هو وسيلة للتقرب من الخالق، وتهذيب النفس، والشعور بالفقراء.
في الإسلام: فُرض الصيام في السنة الثانية للهجرة. وردت مادة “صوم” ومشتقاتها في القرآن الكريم في 14 موضعاً، منها ما يخص فريضة شهر رمضان، ومنها ما يخص الكفارات أو النذر (كصيام السيدة مريم عليها السلام). علاوة عل اﻷحاديث النبوية الشريفة التي تناولت الصيام منها ، أو أشهرها : (صوموا تصحوا..) .
في المسيحية: يعتبر الصيام فترة تذلل وتوبة. يختلف باختلاف الطوائف، وأشهرها “الصوم الكبير” الذي يسبق عيد القيامة، حيث يمتنع الصائمون عن الأطعمة الحيوانية ومنتجاتها.
في اليهودية: يصوم اليهود أياماً محددة للتكفير عن الذنوب أو لإحياء ذكرى فواجع تاريخية، وأبرزها “يوم كيبور” (يوم الغفران)، وفيه يمتنعون عن الطعام والشراب والعمل لمدة 25 ساعة متواصلة.
الصيام في الحضارات والديانات الوضعية القديمة
لم تخلُ حضارة قديمة من ممارسة الصيام، وإن اختلفت الدوافع:
-الفراعنة: كانوا يصومون أياماً محددة من كل شهر لغرض التطهير الجسدي والروحي، وكانوا يعتقدون أن كثرة الطعام تجلب الأمراض.
-الهنود القدامى: مارسوا الصيام لتعزيز التركيز الروحي والارتقاء بالنفس فوق الحاجات المادية.
-الأشوريون والبابليون: كان الصيام لديهم يقترن بالحزن والتوبة، وغالباً ما كان يُفرض بطلب من الكهنة لدرء غضب الآلهة أو الكوارث الطبيعية.
الصيام كعلاج وتطهير للجسم (الحمية)
يعتبر أبقراط (أبو الطب) وفيثاغورس من أوائل الذين نادوا بالصيام كعلاج. كان فيثاغورس يفرض على تلاميذه الصيام لفترات طويلة لتصفية أذهانهم قبل تعلم الرياضيات.
-الآلية: كانوا يمارسونه من خلال الامتناع التام عن الطعام والاكتفاء بالماء لفترات محددة، مما يمنح الجهاز الهضمي استراحة ويتيح للجسم طرد السموم المتراكمة (Detox).
الصيام بين “جلد الذات” و”الرياضة الروحانية”
-التكفير وجلد الذات: في بعض الثقافات المتشددة، كان الصيام يُستخدم كعقاب للجسد “الخاطئ” لإرضاء القوى الغيبية، وهو مفهوم يختلف تماماً عن الصيام الإسلامي الذي لا يهدف لتعذيب الجسد بل لتزكيته.
-الهندوسية: يعتبر الصيام (Vrata) جزءاً أساسياً من العقيدة، حيث يُمارس كرياضة روحانية تهدف للسيطرة على الحواس وتقوية الإرادة، معتقدين أن حرمان الجسد يحرر الروح.
مستشفيات العلاج بالصوم في العصر الحديث
أصبح “الصوم الطبي” علماً يُدرس ومراكز تُقصد، حيث تختلف مدة الصيام من أسبوع إلى 40 يوماً حسب الحالة (تحت إشراف طبي دقيق).
* أشهرها:
1. مصحة بوشنجر (Buchinger Wilhelmi) في ألمانيا وإسبانيا، وهي الأشهر عالمياً.
2. معهد “غوي” (Goryachinsk) في سيبيريا بروسيا، المتخصص في العلاج بالصوم الجاف والماء.
* المدة: تُحدد حسب المرض؛ فالأمراض الجلدية قد تتطلب فترات قصيرة، بينما أمراض السمنة والسكري والتهاب المفاصل قد تتطلب فترات أطول.
الصيام في عيون علماء الغرب
توسع الغرب في دراسة الصيام لم يعد مجرد “فضول معرفي”، بل تحول إلى ثورة بيولوجية وطبية أعادت صياغة مفهوم الصحة العامة. إليك توسع مفصل في هذا المبحث، يبرز كيف ينظر العلماء والأكاديميون الغربيون إلى الصيام، وتحديداً الصيام الإسلامي:
النظرة الطبية والجراحية
يرى الكثير من أطباء الغرب أن الصيام هو “عملية جراحية بدون سكين”.
-ألكسيس كاريل (Alexis Carrel): الطبيب الحائز على جائزة نوبل، ذكر في كتابه “الإنسان ذلك المجهول” أن الصيام يعمل على تنظيف الأنسجة وتبديلها، وأن السكر المخزون في الكبد والدهون تحت الجلد تتحرك وتُستهلك، مما يؤدي إلى ثبات البيئة الداخلية للجسم.
– الدكتور هيربرت شيلتون (Herbert Shelton): الذي أشرف على صيام آلاف المرضى، يرى أن الصيام هو الوسيلة الأسرع والأكثر أماناً للسماح للجسم بالتخلص من الفضلات المتراكمة والسموم الأيضية.
ثورة “الالتهام الذاتي” والخلود البيولوجي
النقلة النوعية في نظرة الغرب للصيام جاءت مع العالم الياباني يوشينوري أوسومي (المحتفى به وبأبحاثه بشكل واسع في الجامعات الغربية)، والذي نال نوبل عام 2016.
أثبتت أبحاثه أن الجوع لفترات معينة يحفز الجسم على عملية “التنظيف الذاتي”، حيث تقوم الخلايا بابتلاع البروتينات التالفة والأجزاء المريضة وتحويلها إلى طاقة.
الربط الغربي بالصيام الإسلامي
لاحظ العلماء أن الصيام المتقطع (الذي يشبه صيام رمضان من حيث الامتناع عن الأكل والشرب لساعات طويلة) هو الحالة المثالية لتنشيط هذه العملية، مما يقي من أمراض الشيخوخة، والزهايمر، والسرطان.
الصيام كعلاج للأمراض النفسية والعقلية
لم يقتصر اهتمام الغرب على الجسد، بل امتد للبحث في أثر الصيام على الدماغ:
-مارك ماتسون (Mark Mattson): أستاذ علم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز، أفنى سنوات في دراسة أثر الصيام على الدماغ. خلص إلى أن الصيام يزيد من إنتاج بروتين يُدعى (BDNF)، وهو بمثابة “سماد للدماغ” يساعد في نمو خلايا عصبية جديدة ويعالج الاكتئاب والقلق.
-يرى هؤلاء العلماء أن الصيام يمنح الدماغ “صفاءً ذهنياً” (Mental Clarity) لا يتحقق في حالة الشبع المستمر، وهو ما يفسر حالات السمو الروحي التي يشعر بها الصائمون.
شهادات أكاديمية حول “النموذج الإسلامي، (رمضان)”
أصبحت الدراسات التي تُجرى على “صيام رمضان” تحديداً مادة دسمة في الدوريات العلمية الغربية (مثل Nature و The Lancet):
-الانضباط الذاتي: يرى علماء الاجتماع الغربيون في الصيام الإسلامي وسيلة فعالة لتدريب “عضلة الإرادة”. هم لا يرونه حِرماناً، بل “تحرراً” من عبودية المادة والعادات الاستهلاكية.
-التوازن الهرموني: تشير الدراسات الغربية إلى أن التوقف عن شرب الماء والأكل (كما في الإسلام) يؤدي إلى ضبط مستويات الأنسولين بشكل جذري وتعديل حساسية الجسم له، وهو ما يسمونه “إعادة ضبط الاستقلاب” (Metabolic Reset).
الصيام في الثقافة الشعبية الغربية
في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح “Biohacking” في سيليكون فالي وبين رواد الأعمال، حيث يتفاخر عباقرة التقنية باتباعهم نظام الصيام لزيادة إنتاجيتهم وذكائهم، معتبرين أن الصيام هو “الشيفرة” التي تفتح قدرات الإنسان الكامنة.
من “طقس ديني” إلى “ضرورة حيوية”
انتقل الصيام في أعين الغرب من كونه ممارسة “غريبة” أو “شاقة” تخص المسلمين، إلى كونه “أذكى استراتيجية للبقاء”. والجميل هنا أن العلم الغربي بتفاصيله المجهرية والدقيقة جاء ليؤكد شمولية وعظمة النص القرآني {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، موضحاً أن هذا “الخير” يتسع ليشمل خلايا الدماغ، وشرايين القلب، وسلامة الروح.
أبدى الكثير من الأكاديميين إعجابهم بنظام الصيام في الإسلام:
– ألكسيس كاريل (صاحب نوبل): أكد أن الصيام ينظف الأنسجة ويبدلها.
– يوشينوري أوسومي (نوبل 2016): الذي أثبت علمياً ظاهرة “الالتهام الذاتي” (Autophagy)، حيث يقوم الجسم أثناء الصيام بأكل خلاياه المريضة والتالفة، وهو ما يطابق روح التشريع الإسلامي.
عظمة الآية.. الخلاصة الإلهية
تتجلى عظمة قوله تعالى {… وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ…} في أنها لم تقصر “الخير” على جانب واحد. هي خيرٌ تعبدي (أجر وثواب)، وخيرٌ نفسي (انضباط وإرادة)، وخيرٌ طبي (وقاية وعلاج). لقد سبقت هذه الآية العلم الحديث بقرون، لتقرر أن الصيام هو المنظومة الشاملة لإعادة ضبط المصنع للإنسان؛ جسداً وروحاً.






