سياسة واقتصاد

الاتحاديون لا يبدلون جلودهم: في نقد الترحال السياسي وأخلاق الوفاء للفكرة الاتحادية.

إيمان الرازي ( أستاذة جامعية، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)

ليس الاتحادي من يبدل جلده كما تفعل الزواحف، ولا من يتقن فن الانسلاخ كلما اشتد عليه الاحتكاك أو ضاقت به المسارات. الاتحادي، كما عرفناه في سنوات النضال الأولى، ابن موقف لا ابن ظرف، ووريث ذاكرة جماعية صاغتها التضحيات لا حسابات الربح والخسارة. لذلك يبدو غريبا، بل ومربكا، أن يخرج علينا اليوم، من غاب طويلا عن الفعل السياسي، ليطل فجأة بلباس "المنقذ" وملامح "مسيح اليسار الجديد"، كأن الزمن لم يمض، وكأن الأسئلة المؤجلة لا تحتاج إلى أجوبة.

إن السياسة، في معناها الأخلاقي قبل التنظيمي ، ليست أبدا مسرحا للعودة الاستعراضية ولا مجالا لكتابة السير الذاتية المتأخرة، لأن من غاب أكثر من عقد كامل عن المعترك، ثم يعود متحدثا بلهجة الوصاية وموزعا صكوك الشرعية، يضع نفسه تلقائيا موضع مساءلة، لا موضع احتفاء. فالقيادة ليست قناعا نلبسه عند الحاجة، ولا لحظة خطابية تقتنص في زمن السيولة، القيادة فعل تراكم، واختبار صبر، والتزام يومي في زمن الشدة قبل الرخاء.

لقد علمتنا التجربة أن الاختلاف فضيلة، وأن النقد الداخلي علامة صحة لا مؤشر ضعف، لكن من داخل هذا البيت الواسع، الذي ظل فيه الاتحاديون يختلفون طولا وعرضا، يتجادلون حد القطيعة السياسية، لكنهم يحافظون على خيط الوصال الإنساني غليظا وممتدا، تلك هي الأخلاق التي صنعت هيبة التجربة: أن تعارض بشراسة دون أن تسقط في الخصومة الشخصية، وأن تنتقد بجرأة دون أن تقايض الذاكرة أو تسقط الوفاء للفكرة الاتحادية.

من هنا يصبح الترحال السياسي، حين يتخذ طابعا انتهازيا أو استعراضيا، مسألة تستحق الوقوف عندها، فالانتقال بين المواقع ليس جريمة في ذاته، السياسة نعم بطبيعتها حركة، والقناعات تتطور وتختلف مع مرور الزمن، لكن المعيار الأخلاقي يكمن في السياق والدوافع واللغة، هل هو انتقال ناتج عن مراجعة فكرية صريحة؟ أم هو هروب من إخفاقات ذاتية؟ هل يرافقه تواضع الاعتراف بالأخطاء، أم تضخيم للذات وإعادة كتابة للتاريخ؟ هنا بالضبط تتحدد الحدود بين التحول المشروع والترحال المريب.

إن من يختار أن يعود بعد سبات طويل، مدججا بخطاب الخلاص، كأنه الوحيد الذي أبصر الحقيقة بعد ظلام دامس، يغامر بفقدان ما تبقى من رصيده الرمزي، لأن اليسار، في جوهره، ليس فردا ملهما ولا زعيما كاريزميا معصوما عن الخطأ، لأنه فعل جماعي، ونقاش مفتوح، وتاريخ مشترك. وكل محاولة لاختزال هذا التاريخ في “أنا” متضخمة بالغة البارانويا، إنما تسهم في إضعاف المعنى العميق للانتماء، وتفرغ النضال من محتواه التراكمي.

ثم إن الاتحادي الحقيقي، حين يغضب، لا يلوذ بالتشفي ولا يستعرض جراحه على منصات الخطابة، قد يغلق باب بيته بإحكام، نعم، وقد يختار الصمت حينا، لكن صمته يكون احتجاجا لا هروبا، وتأملا لا قطيعة، وحين يعود، إن عاد، يعود بقدر من التواضع يليق بتاريخ يعرف ثقله، وبوعي يدرك أن الزمن لا ينتظر أحدا، وأن الأجيال تتعاقب، وأن الشرعية تبنى ولا تستعاد بالحنين أو البهلوانيات.

لهذا فإن احترامنا يظل قائما لكل الإخوة والأخوات الذين يختلفون اليوم مع قيادة الحزب بحدة، لكنهم يحافظون على نبل الاختلاف، أولئك الذين يدركون أن السياسة، مهما اشتدت أشواطها، لا ينبغي أن تقطع ما بين البشر من وشائج إنسانية، لأن في مواقفهم نزر يسير من وفاء المدرسة القديمة، حيث كان الخصم رفيقا محتملا، وكان الحوار جسرا لا خندقا.

أما الذين يختارون الترحال في أرذل العمر السياسي، فيستبدلون رصيد الذاكرة ببريق اللحظة، فإنهم يراهنون على ذاكرة قصيرة لا تشبه ذاكرة الاتحاديين، لأن التاريخ، مهما بدا صامتا، يحتفظ بتفاصيله بعناية، وأن الوقائع حينما تحدث فلا يطويها النسيان، وأن الأخلاق بدورها لا تسقط أيضا بالتقادم السياسي، فمن يظن أن بوسعه أن يعيد تشكيل صورته بمجرد خطاب بليغ رنان أو عودة مفاجئة مباغثة، ينسى أو لربما يتناسى حتى لا أقول يتذاكى، أن السياسة امتحان الصدق دائما.

لا يحتاج الاتحاد إلى منقذين موسميين ولا إلى عائدين بخطاب الوصاية، ما يحتاجه حزبنا هو استعادة الثقة عبر العمل اليومي، وتجديد دمائه عبر أجياله الحية، وصون فكرته عبر وفاء أبنائه، وذلك ما نقوم به كل يوم، لأن منطق الانتماء اليوم بالنسبة إلينا نحن القابضون على الجمر، ليس بطاقة نشهرها عند اللزوم أو نفاخر بها الرفاق، لكنها التزام طويل الأمد مع فكرة العدالة والكرامة، التي بني عليها الحزب، وأن من لم يفهم هذا المعنى العميق، سيظل زائلا عارضا، مهما علت نبراته وصالت جولاته. 

حظا موفقا إذن لمن اختار طريقه، لكن الاتحاديين سيظلون أوفياء لذاك الجلد المدبوغ الذي لا يبدل، لأنه صنع من ذاكرة النضال لا من مطاط اللحظة، أما والذين يأكلون الساقط من الطعام فلا كلام معهم لا اليوم ولا غدا ولا حتى قبلا حينما وضعوا يدهم في يد الظلام.