فن وإعلام

النجاح الذي يزعج: لماذا يصر البعض على رؤية المغرب من ثقب أسود؟

مصطفى العلمي (مدون)

في زمن تتباهى فيه كبريات المنابر الإعلامية بشعارات "الحياد" و"التحقيق المهني"، اختارت بعض الصحف أن تتقن فنا آخر أكثر براعة: صناعة الرواية الجاهزة، وتلميع الشك، وتسويق الريبة باعتبارها حقيقة.

ولعل صحيفة "لوموند" تمثل النموذج الأكثر انتظاماً في هذا المسار، حين يتعلق الأمر بالمغرب تحديداً.

فهنا، لا نقرأ خبراً، بل نتابع طقساً متكرراً: أرقام تقص بالمقص، تصريحات تنتزع من سياقها، تقارير تفرغ من مضمونها، ثم تسكب في قالب درامي جاهز، عنوانه الدائم: "كل شيء زائف".


حين تعلن المؤسسات الدولية انتقال المغرب إلى مصاف الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، لا ينظر إلى ذلك باعتباره ثمرة سياسات واستثمارات وتراكمات طويلة، بل باعتباره "ديكوراً"، تمويهاً"، "خدعة بصرية".

وحين يتحسن مؤشر، يصبح مدعاة للريبة.

وحين تتطور بنية تحتية، يصبح الأمر "تبذيراً".

وحين ينجح ملف دولي، يصبح "مؤامرة علاقات عامة".

المغرب في هذه السردية لا ينجح أبداً.


-إن تقدم، فهو مخادع.

-إن ثبت، فهو متخلف.

-إن أصلح، فهو يناور.

-وإن صمت، فهو يخفي شيئاً.


هكذا ببساطة.


لسنا أمام صحافة تبحث عن الحقيقة، بل أمام كتابة تبدأ بالنتيجة، ثم تبحث لها عن أدلة لاحقاً.

والمفارقة أن هذا الخطاب يسوق باسم "الاستقلالية" و"الجرأة".

بينما هو في الواقع أقرب إلى الكسل التحليلي، وإعادة تدوير الصور النمطية، والارتهان لمنطق سياسي قديم لا يعترف بأن دول الجنوب يمكن أن تتقدم دون وصاية.


حين يستثمر المغرب في الطاقات المتجددة، يتهم بالاستعراض.

حين يحدث موانئه ومطاراته، يتهم بالتلميع.

حين ينظم تظاهرات كبرى، يتهم بالغسيل الرياضي.

وحين يجذب الاستثمارات، يسأل: "ماذا يدفع بالمقابل؟"

كأن النجاح جريمة، والطموح تهمة، والاستقرار مؤامرة.


الغريب أن هذه الصحافة لا ترى في بلدانها أخطاء "بنيوية"، بل "هفوات مؤقتة".

ولا ترى في إخفاقاتها "نظاماً"، بل "استثناء".

أما عند المغرب، فكل شيء بنيوي، دائم، ومشبوه.

هذه ليست موضوعية.

هذا تحيز مغلف بلغة راقية.

والمغرب، الذي يبني بهدوء، ويخطئ أحياناً، ويصيب كثيراً، ويراكم تجربته في عالم مضطرب، لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد.

لكنه أيضاً لن يقبل بأن يقدَّم دائماً كـ"مشروع خدعة" فقط لأنه اختار طريقه بنفسه.


* كثرة الهجوم ليست دليلاً على الفشل.

بل غالباً ما تكون دليلاً على الإزعاج.

إزعاج الصور الجاهزة.

إزعاج الوصاية القديمة.

إزعاج من اعتادوا أن يكونوا مرآة العالم الوحيدة.


أما "لوموند"، فحرة في الاستمرار في هذه اللعبة.

لكن من حق القارئ أيضاً أن يعرف:

أنه لا يقرأ دائماً عن المغرب الحقيقي، بل عن نسخة متخيلة، صنعت في غرف التحرير، لتخدم رواية، لا واقعاً.

مغرب مواز…لا يراه إلا من قرر مسبقاً ألا يرى غيره.