تحليل

اليسار المغربي .. بين ذاكرة المجد وإرهاق اللحظة...

إبراهيم حيمي

ليس السؤال اليوم هل خسر اليسار المغربي الانتخابات، أم قام المخزن بإبعاده عن تدبير الشأن العام. فالهزيمة الانتخابية عارض عابر فقط، في مسار أي تيار سياسي. لكن السؤال الحقيقي: هل خسر اليسار قدرته على تمثّل اللحظة التاريخية ولم يفهم تحولات المجتمع؟ ..

منذ عقود، شكّل اليسار المغربي قوة اقتراحية وأخلاقية داخل الحقل السياسي. ارتبط اسمه بالنضال الديمقراطي، بالدفاع عن العدالة الاجتماعية، وبصياغة خطاب حداثي نقدي في مواجهة السلطوية المخزنية والمحافظين. غير أن الزمن لا يرحم من يتجمد. المجتمع تغير، البنية الاقتصادية تبدّلت، والتمثلات الثقافية تحولت بسرعة تفوق إيقاع الأحزاب.

اليوم يبدو اليسار وكأنه يعيش مفارقة قاسية: يرفع نفس الشعارات الكبرى، لكنه يخاطب مجتمعاً لم يعد يستقبلها بنفس الحساسية. الطبقة الوسطى أعادت تعريف أولوياتها، الفئات الشعبية تبحث عن حلول ملموسة لا عن بيانات إيديولوجية، والشباب يعيش في فضاء رقمي يختصر السياسة في صور وشعارات خاطفة. هنا يتم إكتشاف العطب: خطاب تقليدي في زمن السيولة.

أزمة اليسار ليست في خصومه، بل في صورته عن نفسه. فهو لا يزال يتعامل مع ذاته كضمير أخلاقي معارض، بينما الواقع يطالبه بأن يكون قوة اقتراح عملية، قادرة على إنتاج بدائل اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ. لكن بين المثالية الثورية وبراغماتية التدبير، ظل معلقاً في منطقة رمادية أفقدته الثقة والامتداد الشعبي. ثم هناك معضلة أكبر تنجلي في التنظيم: هناك انقسامات متكررة بلا عدد، صراعات زعامات، وتكتلات ظرفية لا ترقى إلى مشروع تاريخي جامع. التجارب الوحدوية، كما في تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي، أظهرت أن الرغبة في التجميع حتى ولو كانت موجودة، فلن تحل مشكلة اليسار. لأن الإرادة الاستراتيجية العميقة ما تزال هشة أمام الحسابات الضيقة.

في المقابل، يملأ المشهد فاعلون جدد بخطاب بسيط ومباشر، كما يفعل التجمع الوطني للأحرار، الذي فهم أن السياسة المعاصرة تُدار بلغة القرب والوعود القابلة للتسويق ولو في الخطاب فقط، لا بلغة التحليل البنيوي المعقد. هنا لا يتعلق الأمر بمدح أو قدح، بل بتشخيص اختلاف المنهج.

فهل يستطيع اليسار أن يستيقظ؟ ..الاستيقاظ هنا لا يعني التخلي عن القيم، بل إعادة ترجمتها. لا يعني التنكر للهوية، بل تجديد أدواتها. ولا يعني الذوبان في السلطة، بل إعادة تعريف معنى المعارضة. أفق اليسار المغربي يمر عبر ثلاث مراجعات كبرى: مراجعة فكرية: الانتقال من خطاب إيديولوجي مغلق إلى تفكير اجتماعي منفتح، يعيد قراءة التحولات الاقتصادية والثقافية بجرأة.

مراجعة تنظيمية: تجاوز الشخصنة نحو مؤسسات حزبية ديمقراطية فعلاً، لا شعاراً. مراجعة تواصلية: فهم لغة الجيل الجديد، والانتقال من نخبوية الصالونات إلى نبض الشارع والفضاء الرقمي. إن لم يفعل ذلك، سيبقى اليسار مجرد ذاكرة جميلة تُستحضر في الندوات، لا قوة حية تؤثر في موازين القرار. أما إن تجرأ على نقد ذاته بعمق، فقد يعود كقوة توازن ضرورية في مشهد سياسي يحتاج إلى تعددية حقيقية، لا إلى فراغ تتناوب فيه نفس الأصوات. اليسار المغربي أمام مفترق طرق: إما أن يظل حارساً لماضٍ مجيد، أو أن يصبح صانعاً لأفق جديد.

والتاريخ لا ينتظر المترددين.