تشاء الصدف أن نناقش اليوم بكلية الحقوق أكدال أطروحة لنيل الدكتوراه تحت عنوان "قدرة الدولة المغربية على مواجهة الأزمات خلال القرن الواحد والعشرين ".
وهي مناسبة لكي أعبر عن رأيي فيما يتعلق بتعاطي الدولة المغربية مع الفيضانات الأخيرة.
ففي نظري يمثل تدبير الكوارث الطبيعية أحد أكثر الاختبارات حساسية لمدى صلابة الدولة وفعالية مؤسساتها، ويعد نجاح الدولة في إدارة الكوارث مؤشرا مركزيا على قوتها المؤسسية، وما يرمز له من كفاءة إدارية وجاهزية لوجستية، وقدرة على التنسيق بين مختلف المتدخلين من سلطات عمومية ( عسكرية وأمنية ومدنية) وفعالية التواصل العمومي.
ويمكن القول بأن الطريقة التي دبرت بها السلطات العمومية تداعيات التساقطات المطرية الاستثنائية، بتوجيهات من الملك محمد السادس ملامح مقاربة مغربية متكاملة في إدارة الأزمات، جمعت بين الحزم والبعد الإنساني، وبين سرعة القرار ودقة التنفيذ. فإعلان أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة، وتعبئة غلاف مالي مهم ( ثلاث ملايير درهم) لإعادة الإسكان، وتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل البنيات الأساسية، كلها مؤشرات على قدرة الدولة على تجاوز واحدة من اللحظات الصعبة في التاريخ المعاصر، فليس من السهل إجلاء ما يقرب 188 ألف شخص ومواشيهم من المناطق المهددة، وهو قرار صعب جدا اتُّخذ في الوقت المناسب، وهو ما جنب البلاد خسائر في الأرواح، في سياقات كان يمكن أن يتحول – كما حدث في تجارب دولية أخرى – إلى لحظات احتقان وتوتر بين الدولة والمجتمع.
إن نجاح هذه المرحلة، وصولاً إلى الشروع في عودة تدريجية وآمنة للسكان وتعويضهم عن الأضرار، يبرز تلازم عنصرين حاسمين: قوة الدولة ونجاحها في التنسيق والتعبئة واتخاذ القرار، ونضج المجتمع في تفهم الإجراءات الاستثنائية والانخراط فيها بروح المسؤولية. فقد أبانت الساكنة عن حس عال من الالتزام. وجسدت بالفعل قيم التضامن والتآزر التي يتمثلها المغاربة في مثل هذه الظروف الصعبة، وهو ما من شأنه تعزيز الثقة المتبادلة بين المؤسسات والمواطنين. وبهذا المعنى، لا يمثل تجاوز هذه الكارثة مجرد نجاح ظرفي في إدارة أزمة طبيعية، بل هو مؤشر على متانة العقد الاجتماعي المغربي، وقدرته على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى لحظة تماسك وطني تعزز شرعية الفعل العمومي وتكرس أولوية حماية الإنسان باعتبارها الغاية الأسمى لكل السياسات.
والخلاصة:
حين تتم إدارة الأزمة بمنطق استباقي، مع حماية الأرواح كأولوية قصوى، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة تدريجية وآمنة، فإن الكارثة قد تتحول إلى لحظة لتعزيز الثقة وتكريس التلاحم بين الدولة والمجتمع، وهو ما يؤكد مرة أخرى حقيقة النبوغ المغربي وحكمة مسؤوليه.






