سياسة واقتصاد

حان الوقت ليتحرك المغرب ويضع خطة عمل لتطوير أسطول تجاري بحري قوي وتنافسي

محمد فراطا الإدريسي (النائب الأول لرئيس هيئة الخبراء البحريين بالمغرب)
حقق‭ ‬المغرب‭ ‬تقدماً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬بنياته‭ ‬التحتية‭ ‬المينائية‭ ‬وتعزيز‭ ‬موقعه‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬الدولي،‭ ‬بفضل‭ ‬التوجيهات‭ ‬الملكية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬المينائية‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬عليها‭ ‬المملكة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬والناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬ثم‭ ‬ميناء‭ ‬الداخلة‭ ‬الأطلسي‭. ‬

فقد‭ ‬أصبح‭ ‬المغرب‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬أفضل‭ ‬20‭ ‬دولة‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جودة‭ ‬الربط‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬النقل‭ ‬البحري،‭ ‬وفق‭ ‬أحدث‭ ‬بيانات‭ ‬مؤشر‭ ‬الربط‭ ‬بشبكة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬المنتظمة‭ ‬(LSCI)،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ ‬(الأونكتاد)‭. ‬ويعتمد‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعايير،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬عدد‭ ‬الخطوط‭ ‬البحرية‭ ‬المنتظمة،‭ ‬والطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬للسفن،‭ ‬وحجم‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬شركات‭ ‬النقل‭ ‬البحري،‭ ‬والقدرات‭ ‬المينائية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بخطوط‭ ‬بحرية‭ ‬مباشرة‭.‬

وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬المغرب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المشاريع‭ ‬المينائية‭ ‬الكبرى‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬ينهجها،‭ ‬مؤهل‭ ‬للتقدم‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬وربما‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالعشر‭ ‬الأوائل‭ ‬عالمياً‭. ‬


لكن،‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نطور‭ ‬الموانئ‭ ‬ونحسن‭ ‬مؤشرات‭ ‬الربط‭ ‬البحري،‭ ‬بينما‭ ‬نترك‭ ‬استغلال‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانات‭ ‬للأساطيل‭ ‬الأجنبية؟‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬المغرب‭ ‬هذه‭ ‬الواجهة‭ ‬البحرية‭ ‬والموقع‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬أسطول‭ ‬وطني‭ ‬قوي‭ ‬وتنافسي؟

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لكي‭ ‬يتحرك‭ ‬المسؤولون‭ ‬المغاربة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الخاص،‭ ‬نحو‭ ‬إحداث‭ ‬لجنة‭ ‬وطنية‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى،‭ ‬تضم‭ ‬خبراء‭ ‬مغاربة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬البحري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والمالي،‭ ‬تكون‭ ‬مهمتها‭ ‬وضع‭ ‬تصور‭ ‬استراتيجي‭ ‬وخطة‭ ‬عمل‭ ‬واضحة‭ ‬تحدد‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬للمغرب‭ ‬اتباعه‭ ‬لتطوير‭ ‬أسطوله‭ ‬التجاري‭ ‬البحري‭.‬

فهذا‭ ‬الورش‭ ‬يتطلب‭ ‬إنجاز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬ووضع‭ ‬تصورات‭ ‬متكاملة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬مختلف‭ ‬الإكراهات‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬القطاع‭. ‬ولهذا،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬إحداث‭ ‬لجنة‭ ‬وطنية‭ ‬متخصصة‭ ‬أصبح‭ ‬أمرا‭ ‬ضروريا‭ ‬ومستعجلا‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬أعتقد‭ ‬أننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نقع‭ ‬فيها،‭ ‬استمرارنا‭ ‬في‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالخبراء‭ ‬والشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لتشخيص‭ ‬وضعية‭ ‬القطاع‭ ‬البحري‭ ‬بالمغرب،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بشركات‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬بريطانية‭ ‬أو‭ ‬إسبانية‭ ‬وغيرها،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحديد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬ورصد‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬القطاع‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬نتوفر‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬كفاءات‭ ‬وخبرات‭ ‬وطنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة‭ ‬ولها‭ ‬إلمام‭ ‬بواقع‭ ‬القطاع‭.‬


أمام‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تأجيل‭ ‬ورش‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الأسطول‭ ‬البحري‭ ‬الوطني،‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬بمناسبة‭ ‬الذكرى‭ ‬الـ‭ ‬48‭ ‬للمسيرة‭ ‬الخضراء،‭ ‬حين‭ ‬دعا‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬إلى‭ ‬"تكوين‭ ‬أسطول‭ ‬بحري‭ ‬تجاري‭ ‬وطني،‭ ‬قوي‭ ‬وتنافسي"‭.‬

خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم،‭ ‬والتي‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬تجاري،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬رافعة‭ ‬للسيادة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للدول‭.‬

قال‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬"التفكير"‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أسطول‭ ‬بحري‭ ‬تجاري‭ ‬وطني‭ ‬قوي‭ ‬وتنافسي‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يركز‭ ‬هذا‭ ‬التفكير‭ ‬على:‮ ‬

-‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭. ‬إذ‭ ‬يبلغ‭ ‬عمر‭ ‬الإطار‭ ‬الحالي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭.‬‮ ‬

-‭ ‬الإطار‭ ‬الضريبي‭ ‬الذي‭ ‬يجب،‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬حافزا،‭ ‬أن‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬الممارسات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الشحن‭ ‬التجاري‭.‬

-‭ ‬الإدارة‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتمتع‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والنجاعة‭.‬

-‭ ‬التكوين‭ ‬النظري‭ ‬والتطبيقي‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬استدامته‭ ‬وتحسينه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكم‭ ‬والنوع‭ ‬للأطر‭ ‬البحرية‭ ‬المدربين‭.‬‮ ‬

-‭ ‬خلق‭ ‬أوراش‭ ‬إصلاح‮ ‬‭ ‬السفن‭.‬

-‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭.‬

-‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬البحرية‭.‬

وهنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬استحضار‭ ‬المحاور‭ ‬التالية،‭ ‬كان‭ ‬للظهير‭ ‬الشريف‭ ‬المتعلق‭ ‬بمجال‭ ‬الاستثمار‭ ‬البحري‭ ‬خلال‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬20‭ ‬تأثيرا‭ ‬إيجابيا‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬تجسد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاركة‭ ‬العلم‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬بلادنا‭ ‬بنسبة‭ ‬20%‭ ‬بدلاً‭ ‬من 3%‭. ‬وكانت‭ ‬السفن‭ ‬المغربية‭ ‬تنقل‭ ‬8‭ ‬ملايين‭ ‬طن‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬طن‭ ‬واحد‭ ‬قبل‭ ‬السبعينيات‭. ‬وبلغ‭ ‬معدل‭ ‬تغطية‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬آنذاك‭ ‬25%‭ ‬أي‭ ‬2.5‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخبرة‭ ‬والكفاءات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بثمن‭ ‬للضباط‭ ‬والطاقم‭.‬‮ ‬

ولسوء‭ ‬الحظ،‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2000‭ ‬كان‭ ‬إلغاء‭ ‬ظهير‭ ‬1962‭ ‬وتحرير‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬بمثابة‭ ‬ناقوس‭ ‬الموت‭ ‬لهذا‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬إرثا‭ ‬من‭ ‬الماضي‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬العامل‭ ‬التجاري‭ ‬والمالي‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬البحري،‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬مساهمته‭ ‬في‮ ‬‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الحالات‭ ‬كثيرة‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬اثنتين‭ ‬منها:

-‭ ‬عندما‭ ‬قررت‭ ‬السلطات‭ ‬الإسبانية‭ ‬منع‭ ‬وطرد‭ ‬المنتوجات‭ ‬الفلاحية‭ ‬المغربية‭ ‬المنقولة‭ ‬بالشاحنات‭ ‬وعبر‭ ‬بلادها،‭ ‬كان‭ ‬الأسطول‭ ‬الوطني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ينقل‭ ‬المنتوجات‭ ‬المغربية‭ ‬إلى‭ ‬موانئ‭ ‬جنوب‭ ‬فرنسا،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬لبلادنا‭ ‬باحترام‭ ‬التزاماتها‭ ‬الدولية‭.‬

-‮ ‬‭ ‬بعد‭ ‬إغلاق‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬بين‭ ‬ليبيا‭ ‬والمغرب،‭ ‬كان‭ ‬أسطول‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬كوماناف‭ ‬COMANAV‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬العائلات‭ ‬المغربية‭ ‬المتبقية‭ ‬العالقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬

‮ ‬فقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لأن‭ ‬تفكر‭ ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أسطول‭ ‬تجاري‭ ‬وطني‭. ‬هل‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للفوسفاط‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لديه‭ ‬ناقلة‭ ‬قوية‭ ‬للبضائع‭ ‬السائبة؟‭ ‬وباعتباره‭ ‬منتجاً‭ ‬مصدراً‭ ‬لحمض‭ ‬الفوسفوريك،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬أن‭ ‬يزود‭ ‬نفسه‭ ‬بالسفن‭ ‬الكيميائية‭. ‬ويمكن‭ ‬قول‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬الخضر‭ ‬والحمضيات‭ ‬والمنتجات‭ ‬البترولية‭ ‬ونقل‭ ‬الركاب‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭. ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بلادنا‭ ‬تمتلك‭ ‬الوسائل‭ ‬المالية‭ ‬اللازمة‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬قانون‭ ‬الاستثمار‭ ‬البحري‭ ‬لعام‭ ‬1971،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬التشريع‭ ‬بشأن:‭ ‬تعزيز‭ ‬التشريعات‭ ‬الضريبية‭ ‬الملائمة‭ ‬للنقل‭ ‬البحري،‭ ‬ملاءمة‭ ‬القوانين‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الدول‭ ‬البحرية،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬المدونة‭ ‬البحرية‭ ‬المغربية‭ ‬ومراجعة‭ ‬أسلوب‭ ‬التدريب‭ ‬النظري‭ ‬والعملي‭ ‬للضباط‭.‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬إجراء‭ ‬إصلاحات‭ ‬أخرى،‭ ‬وخاصة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬منها‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬وبنظرة‭ ‬تفاؤل‭ ‬للقادم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المملكة‭ ‬تمتلك‭ ‬مخزوناً‭ ‬بشرياً‭ ‬كبيراً‭ ‬متخصصاً‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬البحري‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تجاوز‮ ‬‭ ‬التحديات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬بلادنا‭.‬

صناعة‭ ‬السفن

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬أسطول‭ ‬وطني‭ ‬قوي‭ ‬دون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬صناعة‭ ‬السفن‭ ‬بالمغرب‭. ‬فالمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬اقتناء‭ ‬السفن‭ ‬أو‭ ‬استئجارها،‭ ‬وإنما‭ ‬الانتقال‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬قدرات‭ ‬وطنية‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬والإصلاح‭ ‬والصيانة‭ ‬والتجهيز،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬وفرص‭ ‬شغل‭ ‬ويقلص‭ ‬التبعية‭ ‬للخارج‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬دعت‭ ‬دراسة‭ ‬للمجلس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والبيئي‭ ‬حول‭ ‬«تطوير‭ ‬صناعة‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬كرهان‭ ‬حاسم‭ ‬لتقوية‭ ‬مسلسل‭ ‬التصنيع‭ ‬وتعزيز‭ ‬السيادة‭ ‬الاقتصادية»،‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬صناعة‭ ‬وطنية‭ ‬للسفن،‭ ‬باعتبارها‭ ‬رافعة‭ ‬أساسية‭ ‬لتقوية‭ ‬التصنيع‭ ‬وبناء‭ ‬أسطول‭ ‬وطني‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أوراشاً‭ ‬مرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وآسفي‭ ‬وأكادير،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬صناعة‭ ‬حقيقية‭ ‬ومتكاملة‭ ‬للسفن‭. ‬ولهذا،‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬الناجحة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬النرويج‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬سفن‭ ‬نقل‭ ‬المسافرين،‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والصين‭ ‬واليابان‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بناء‭ ‬سفن‭ ‬الشحن‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬البحرية‭ ‬المتقدمة‭.‬

وتشير‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بإمكان‭ ‬المغرب‭ ‬رفع‭ ‬حجم‭ ‬صادراته‭ ‬بنحو‭ ‬200‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬صناعة‭ ‬مكونات‭ ‬السفن‭ ‬وتجهيزاتها،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬سترات‭ ‬وأطواق‭ ‬النجاة،‭ ‬ومعدات‭ ‬الملاحة،‭ ‬والتجهيزات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وأجهزة‭ ‬الاتصالات،‭ ‬والمحركات‭ ‬الخارجية‭ ‬الصغيرة‭.‬

كما‭ ‬تقدر‭ ‬سوق‭ ‬صناعة‭ ‬السفن‭ ‬بالمملكة‭ ‬بنحو‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬درهم‭ ‬سنوياً‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬2012‭ ‬إلى‭ ‬2023،‭ ‬مع‭ ‬تركز‭ ‬النشاط‭ ‬أساساً‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬السفن‭ ‬وصيانتها‭ ‬وبناء‭ ‬سفن‭ ‬وقوارب‭ ‬الصيد،‭ ‬التي‭ ‬صنع‭ ‬أغلبها‭ ‬من‭ ‬الخشب،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬0.01‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الإجمالي‭.‬

والمغرب‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬مؤهلات‭ ‬مهمة‭ ‬لتطوير‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬واجهة‭ ‬بحرية‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬3500‭ ‬كيلومتر،‭ ‬ومنطقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خالصة‭ ‬تبلغ‭ ‬مساحتها‭ ‬1.2‭ ‬مليون‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬مينائية‭ ‬تضم‭ ‬43‭ ‬ميناءً،‭ ‬ويد‭ ‬عاملة‭ ‬ذات‭ ‬تكلفة‭ ‬تنافسية‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

كما‭ ‬يمكننا‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬السيارات‭ ‬والطيران‭ ‬والبناء‭ ‬والصلب‭ ‬والإلكترونيات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نقل‭ ‬الخبرات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وتأهيل‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية‭ ‬لتطوير‭ ‬صناعة‭ ‬بحرية‭ ‬متكاملة‭.‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬إجراءات‭ ‬ملموسة‭ ‬لتحفيز‭ ‬الاستثمار،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬اعتماد‭ ‬نظام‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬الحمولة‭ ‬باعتباره‭ ‬ضريبة‭ ‬موحدة‭ ‬لشركات‭ ‬الشحن‭ ‬البحري،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وإلغاء‭ ‬الضريبة‭ ‬عند‭ ‬المصدر‭ ‬على‭ ‬تأجير‭ ‬السفن،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬تحفيزات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ميثاق‭ ‬الاستثمار‭ ‬الجديد،‭ ‬وتطوير‭ ‬منتجات‭ ‬التأمين‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬القطاع‭.‬