قرأ بعض المتلقين عنوان الأطروحة التي نال بها محمد جسوس شهادة Phd من جامعة برينستون الامريكية تحت عنوان: "نظرية التوازن.." كما لو أن تقديمها موجه فقط لأساتذة شعب السوسيولوجيا وطلبتها، والحقيقة أن الكتاب موجه لعموم المتلقين؛ قراء عموميين وباحثين وطلبة من تخصصات متعددة، علاوة على الفاعلين الإعلاميين والسياسيين..
وعلى كل حال فهذا موضوع قد يحين أوان التفصيل فيه في مناسبة أخرى..
لكن ما أود أن أشير إليه في هذه العجالة، اليوم، هو النبوغ المغربي الذي اتصف به الراحل العزيز "سي محمد"..
وأنا أعكف على قراءة الأطروحة التي نال بها شهادة الميتريز من جامعة لافال الكندية تحت عنوان: " حضارة القبيلة، البنية والتطور، سوس نموذجا" سنة 1960، بغاية تقديمها لقراء اللغة العربية، إثراء للمتن السوسيولوجي المغربي وبيبليوغرافيته..انتهيت إلى قناعة تامة، وهي أن سي محمد الذي كان عمره لا يزيد عن عشرين ربيعا لم يكن مجرد طالب عادي من العالم الثالث، بل كان، علاوة على انتخابه رئيسا لاتحاد الطلبة (كنديين وأجانب) مناضلا وطنيا يخاطب العالم الغربي، في عقر داره، مخاطبة الند للند كزعيم وطني وليس كطالب أجنبي مهادن ومجامل. كان "سي محمد" يرفع راية التحدي في وجه الباحثين الكنديين وغير الكنديين؛ ينتقد مقارباتهم الاستعمارية بقوة ويكشف أخطاءها، بل وينصح "أساتذته" الباحثين باعتماد أساليب تحليل جديدة مثل أي مناضل وطني غيور لا يقبل أن يخطئ الأجانب في حق وطنه وتاريخه، وهو بالكاد شاب في العشرين من عمره!
إن أعجب ما اكتشفته أن محمد جسوس في جامعة "لافال" لم يكن يختلف عن سي محمد في جامعة "برينستون"؛ نفس الرجل ونفس الاعتزاز و الثقة، بمعنى أن نبوغه وتفوقه ظهر عليه، أول ما ظهر، في المغرب، وهو في سن السابعة عشرة، عندما كان كاتبا عاما للشبيبة الاستقلالية بفاس، وعندما أصدر عدة أعداد من جريدة ناطقة بالفرنسية تحت عنوان "الوثبة" (l"élan )، أسسها بنفسه..
كيف حدث ذلك؟ وما هو الجزء الذي يعود لشخصيته ونبوغه، والجزء الذي يعود لتربيته ووسطه الاجتماعي والعائلي؟!
وستظل قناعتي راسخة بأن نبوغه كان مغربيا متجدرا قبل انفتاحه على التعليم الغربي ونظرياته..وسيظل السؤال مطروحا إلى أن يأتي من يعود للبحث في سيرته وسيرة عدد من النابغين والنابغات الذين أنجبهم المغرب في تلك الفترة بمدينة فاس وغيرها من المدن والبوادي المغربية..






