ما حدث في انتخابات الكونغرس الأمريكي يوم 3 نوفمبر 2026 أمر عظيم، وستكون له انعكاسات مباشرة على عدد من الملفات والقضايا المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية، على المديين القريب والبعيد.
من قناعاتي الراسخة، منذ مدة، بشأن السياسة الخارجية الأمريكية، أن أي تغيير جوهري في توجهات الولايات المتحدة تجاه العالم العربي والشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من الداخل الأمريكي.
وهذا ما تؤكده أطروحة كتاب جون ميرشايمر وستيفن والت، «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية»، الذي أحدث ضجة كبيرة عند نشره لأول مرة في شكل مقال، ثم في صيغة كتاب عام 2007.
لقد طرح هذا الكتاب أفكارا تتناقض مع بعض أهم افتراضات النظرية الواقعية البنيوية التي يتبناها هذان المفكران الكبيران، والتي ترى أن السياسة الخارجية للدول تتشكل أساسا بفعل العوامل الخارجية، ولا سيما بنية توزيع القوة في النظام الدولي، بوصفها محددا أساسيا لسلوك الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن فيما يتعلق بالشرق الأوسط، يبدو الأمر مختلفا، إذ لا تسعف التفسيرات البنيوية في تقديم صورة واضحة مقارنة بتأثير العوامل الداخلية، وخاصة اللوبي الإسرائيلي، بوصفه فاعلا أساسيا في توجيه السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
فمن خلال نفوذه الاقتصادي والمالي والإعلامي، وحضوره في الكونغرس ومختلف المؤسسات الحكومية الأمريكية والمنظمات غير الحكومية، وقدرته على التأثير في البيت الأبيض، استطاع أن يؤدي دورا محوريا في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل. وكان، وفقا لأطروحة الكتاب، من العوامل المؤثرة في قرار غزو العراق، كما يُطرح دوره المؤثر اليوم في قرار الحرب على إيران.
لقد دعا العديد من السياسيين والمفكرين العرب، منذ عقود، إلى إنشاء لوبي عربي مواز لموازنة نفوذ اللوبي الإسرائيلي. لكن ما نشهده اليوم من صعود شخصيات عربية ومسلمة في المشهد السياسي الأمريكي، فقد تشكّل تلقائيا بفعل تنامي الوعي داخل المجتمع الأمريكي عموما، لا في أوساط العرب والمسلمين وحدهم، وذلك في أعقاب أحداث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.
بمعني آخر، فإن هذا التحول في المشهد السياسي والانتخابي الأمريكي لم يكن ثمرة المال أو جماعات الضغط المؤسسية أو تحركات الحكومات العربية، بل نتيجة تنامي الوعي لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، ولا سيما الفئات الشابة.
لكن هذا لا يعني أن اللوبي الإسرائيلي قد اندحر أو فقد نفوذه. نعم، لقد تراجع تأثيره، وتعرض نفوذه للتآكل، خصوصا بفعل تداعيات حرب الإبادة في غزة والحرب على إيران، وما رافقهما من تصاعد غير مسبوق في الوعي الشعبي الأمريكي المناهض لتدخلاته وسياساته. غير أن هذا التراجع لا يعني نهاية نفوذه أو زوال قدرته على التأثير في مراكز صنع القرار الأمريكي.
هل يفيد هذا التغيير المغرب؟
لا تتعارض نتائج هذا التحول في انتخابات الكونغرس، وتغيّر مزاج الناخب الأمريكي، مع مصالح المغرب، بل قد تكون في مصلحته، لا سيما إذا قُرئت هذه التحولات قراءة استراتيجية بعيدة المدى.
فعلاقة المغرب بالولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب، سواء خلال ولايته الأولى أو الثانية، وما رافقها من ترتيبات، لم تكن استجابة لطلب مغربي، بل جاءت في سياق مشاريع سياسية واقتصادية واستراتيجية أمريكية أوسع.
كما أن أي تفاهمات أو ترتيبات مستقبلية مع رئيس ديمقراطي أو إدارة ديمقراطية قد تكون أقل كلفة على المغرب، من الناحيتين السياسية والاقتصادية، مقارنة بما قد تفرضه حسابات الإدارة الحالية، لا سيما إذا نجح المغرب في تحصين المكاسب التي تحققت، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بما يجعلها أقل عرضة للتقلبات المرتبطة بتعاقب الإدارات الأمريكية.
المهم، في نهاية المطاف، أن يتعامل المغرب ببراغماتية مع التحولات السياسية، وألا يربط مصالحه الاستراتيجية بشخص الرئيس الأمريكي أو بانتمائه الحزبي، بل أن يعمل على تحويل ما حققه إلى مكاسب راسخة تتجاوز تعاقب الإدارات وتقلّبات موازين القوى داخل الولايات المتحدة.






