سياسة واقتصاد

الإرهاب العنصري في فرنسا.. من خطاب الكراهية إلى استهداف المهاجرين

يوسف لهلالي (كاتب ومحلل سياسي)
يبدو أن الأحداث الاجتماعية والسياسية وحركات الاحتجاج التي شهدتها فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة قد غطّت على أحد أهم الأحداث الإرهابية التي عرفتها البلاد، والتي يُشتبه في أن وراءها إرهابياً يُدعى كيفين تي، اختار مدينة تراب هدفاً له، بعدما تسلّح بأسلحة مختلفة، بهدف إطلاق النار على الأفارقة والمسلمين. ويبدو أن هذا الاختيار لم يكن اعتباطياً، إذ عُثر بحوزة المعني بالأمر على أسلحة وشعارات داعمة لحزب التجمع الوطني وزعيمته مارين لوبان، التي تمنحها استطلاعات الرأي موقعاً متقدماً في المشهد الانتخابي الفرنسي.


والخطير في هذه العملية الإرهابية، التي استهدفت الأفارقة والمسلمين، أنها ليست الأولى من نوعها، بل تندرج ضمن سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت هذه الفئة من الفرنسيين والمهاجرين، بسبب أصولهم الإفريقية أو انتمائهم الديني.


وهكذا، استهدف الإرهابي كيفين تي ضحاياه، وتمكن من قتل بنغو بوسيو وانجي، البالغ من العمر 26 سنة، بالقرب من إحدى الساحات التي يلعب فيها الأطفال، كما أصاب رجلاً يبلغ من العمر 21 سنة وامرأة في الأربعين من عمرها، بإحدى محطات الوقود. وأطلق القاتل أيضاً وابلاً من الرصاص على طفلة تبلغ من العمر 12 سنة، ما زالت بين الحياة والموت، مستهدفاً إياها بسبب ارتدائها غطاءً للرأس.


وخلال استنطاقه من طرف الشرطة، اعترف الإرهابي كيفين تي بأنه استهدف، في عمليته، العرب والأفارقة بشكل خاص، كما لم يُخفِ قربه الأيديولوجي من حزب التجمع الوطني، الذي تقوده مارين لوبان. أما بخصوص اختياره مدينة تراب، الواقعة في الضاحية الباريسية، فقد قال للمحققين إنها «تُعد تجمعاً للإسلاميين."


وهو ما يذكّر بتصريحات جوردان بارديلا، زعيم حزب لوبان، الذي علّق، خلال الانتخابات البلدية، على فوز علي رابح بمنصب عمدة المدينة، ممثلاً لحزب «جيل جديد»، بالقول إن مدينة تراب «جمهورية إسلامية صغيرة، وعاصمة أوروبية للجهاد,"


وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الخطاب السياسي المحرّض على الكراهية وبين الأفعال العنيفة التي تستهدف المهاجرين والمسلمين. فهناك خطابات سياسية وإعلامية تعمل على تحديد ما تصفه بـ«أعداء الداخل»، وفي مقدمتهم المهاجرون، خاصة الأفارقة والعرب والمسلمون. وتساهم في ذلك بعض المنابر الإعلامية المرتبطة بالملياردير الفرنسي فرنسوا بولوري، وعلى رأسها قناتا «سي نيوز» وصحيفة «جورنال دو ديمانش."


وتتجلى خطورة هذا الخطاب أيضاً في مواقف بعض الأحزاب التي تدّعي الاعتدال، مثل حزب «أوريزون» الذي يقوده إدوار فيليب. فقد صرّح هذا الأخير، في حديث للقناة الفرنسية، بأنه لاحظ، خلال احتجاجات 17 أكتوبر التي انتهت بأعمال عنف، مشاركة عدد كبير من الفرنسيين من أصول أجنبية في أعمال العنف والتخريب. وأضاف أنهم مواطنون فرنسيون، لكن الأمر، حسب تعبيره، يعكس فشل عملية الاندماج.


وهو موقف يطرح بدوره تساؤلات حول توظيف مسألة الاندماج في الخطاب السياسي، ومدى مساهمته في تحميل الأجانب مسؤولية المشاكل التي تعرفها فرنسا. فمثل هذه التصريحات قد تغذي مشاعر العداء وتمنح شرعية، بشكل مباشر أو غير مباشر، للأفكار العنصرية، وتساهم في توفير المناخ الذي يمكن أن تنمو فيه نزعات العنف، كما حدث مع المشتبه فيه كيفين تي.


وفي هذا السياق، يجري التوقيع على عريضة تطالب بمنع القنوات الإعلامية التي يعتبرها أصحابها عنصرية، وعلى رأسها قناة «سي نيوز»، وقد تجاوز عدد الموقعين عليها نصف مليون شخص.


وبطبيعة الحال، يسعى عدد من السياسيين، وخاصة المنتمين إلى اليمين المتطرف والمعادين للهجرة والإسلام، إلى نشر خطاب التمييز والكراهية تحت شعار «الأولوية الوطنية». ويشكّل هذا الشعار أحد مرتكزات خطاب حزب التجمع الوطني، الذي تتزعمّه مارين لوبان، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى موقعها المتقدم في السباق السياسي الفرنسي.


كما يتبنى هذا التيار أطروحات تقوم على التمييز بين السكان، من بينها نظرية «الاستبدال الكبير»، التي روّج لها الكاتب رونو كامو، وأعاد إريك زمور، زعيم حزب «الاسترداد»، تقديمها والدفاع عنها. ويُعد زمور، وهو فرنسي من أصول يهودية جزائرية استقرت عائلته في فرنسا خلال ستينيات القرن الماضي، من أبرز الوجوه السياسية والإعلامية التي تتبنى خطاباً معادياً للمسلمين والأفارقة. وقد صدرت في حقه أحكام قضائية متعددة على خلفية تصريحات اعتُبرت تمييزية أو تحريضية، ومع ذلك لا يزال يحظى بحضور واسع في عدد من وسائل الإعلام، سواء تلك التي تتقاسم بعض أطروحاته أو التي لا تواجهها بما يكفي من النقد.


وقد ارتبطت نظرية «الاستبدال الكبير» أيضاً بخطابات متطرفة استلهم منها منفذ مجزرة كرايست تشيرش في نيوزيلندا سنة 2019، التي أودت بحياة 51 شخصاً. فقد أعلن منفذ الهجوم أنه يدافع عن هذه النظرية، ما يكشف عن خطورة انتقال الأفكار العنصرية من المجال السياسي والإعلامي إلى التطرف العنيف.


ورغم تناقض هذه الأفكار مع المبادئ المعلنة للجمهورية الفرنسية وقيمها الدستورية، فإنها تجد طريقها إلى التداول والترويج من خلال المزايدات السياسية المرتبطة بملف الهجرة. وهي عملية تشارك فيها، أحياناً، حتى قيادات أحزاب تقليدية، مثل برونو روتايو، زعيم حزب الجمهوريين، وإدوار فيليب، زعيم حزب أوريزون.


أما العملية الإرهابية التي شهدتها مدينة تراب، فقد اعتبرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقة وتحولاً في طبيعة هذه العمليات، وهو ما يعترض عليه الباحث رشيد بنزين، الذي يرى أن فرنسا عرفت، خلال السنوات الأخيرة، اعتداءات متعددة استهدفت مسلمين ومهاجرين بسبب أصولهم أو معتقداتهم.


ففي أبريل 2025، قُتل أبو بكر سيسي طعناً بالسكين داخل أحد المساجد. وبعد أسابيع، قُتل هشام ميراوي على يد جاره بمنطقة الفار، جنوب فرنسا. وللمرة الأولى، تولّت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب متابعة قضية قتل ذات خلفية عنصرية. كما شهدت مدينة ليون، في يناير الماضي، مقتل إسماعيل علي، البالغ من العمر 20 سنة، في جريمة اعتُبرت ذات طابع عنصري من طرف القضاء.


وبمعنى آخر، فإن ما وقع في مدينة تراب لا يمكن عزله عن سياق أوسع من الاعتداءات التي استهدفت أشخاصاً بسبب أصولهم أو انتمائهم الديني، بل يندرج ضمن مسلسل مقلق بدأ منذ سنوات وما زال مستمراً.


وبالنسبة إلى الباحث رشيد بنزين، فإن فرنسا تسير نحو الهاوية، في مسار انحداري لا نكتشفه في نهايته، بل يحدث تدريجياً، مرحلة بعد أخرى، ودرجة بعد درجة، ويوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، من خلال التصريحات والمواقف السياسية والإعلامية.


ومن الأمثلة على ذلك تحميل الفرنسيين من أصول أجنبية مسؤولية أعمال العنف التي شهدتها احتجاجات 17 أكتوبر، وهو خطاب ساهمت في ترويجه أحزاب سياسية متعددة. ويؤدي هذا النوع من الاستهداف إلى تهيئة المناخ لتبرير العنف ضد فئة من المواطنين، سواء من طرف اليمين المتطرف أو من طرف تيارات سياسية أخرى تسعى إلى استقطاب أصوات الناخبين عبر تبني خطاب أكثر تشدداً تجاه المهاجرين.


إن الكلمات ليست مجرد تصريحات عابرة، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات لتحديد من يُنظر إليهم باعتبارهم أعداء المجتمع، ومن قد يصبحون أهدافاً للعنف والإرهاب، سواء في مدينة تراب أو في مدن فرنسية أخرى. فحين يتحول المهاجرون والأفارقة والمسلمون إلى أهداف متكررة في الخطاب السياسي والإعلامي، يصبح من الضروري التنبيه إلى خطورة هذا المسار، وإلى المسؤولية التي تتحملها مختلف الأطراف في مواجهة العنصرية وخطاب الكراهية قبل أن يتحولا إلى عنف واعتداءات دامية.