سياسة واقتصاد

المسيرة الخضراء.. من ملحمة التحرير إلى رهانات ترسيخ السيادة والتنمية

محمد هرار
تحل اليوم، السادس من نونبر، الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء، تلك الملحمة الوطنية الخالدة التي جسدت سنة 1975 عبقرية المغفور له الملك الحسن الثاني، والتلاحم القوي بين العرش والشعب، حين لبى 350 ألف متطوع ومتطوعة نداء الوطن، في مسيرة سلمية حضارية شكلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، ومظهرا استثنائيا من مظاهر التشبث بالوحدة الترابية واستكمال الاستقلال.


وتأتي ذكرى هذه السنة في سياق سياسي ودبلوماسي يتسم بتحولات متسارعة في مسار قضية الصحراء المغربية، تفرض قراءة متأنية لموازين القوى والمواقف الدولية، واستحضار ما راكمته الدبلوماسية المغربية من مكتسبات، وما أفرزته التطورات الأخيرة بمجلس الأمن من نقاشات بشأن مستقبل ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، في ظل استمرار الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.


وإذا كانت المسيرة الخضراء قد شكلت بالأمس عنوانا لاسترجاع الأرض وتأكيد التشبث بالوحدة الوطنية، فإن رهانات اليوم تتجاوز مجرد استحضار الذاكرة التاريخية، لتتجه نحو تثبيت المكتسبات وتعزيز الحضور المغربي في الأقاليم الجنوبية، من خلال مواصلة الاستثمار في مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الإطار السياسي الواقعي والجاد وذي المصداقية لتسوية هذا النزاع المفتعل، مع مواصلة حشد الدعم الدولي لها وتوسيع دائرة الاعتراف بمشروعيتها.


كما أن المرحلة الراهنة تضع المغرب أمام مسؤولية مضاعفة، قوامها تحويل المكتسبات الدبلوماسية إلى دينامية تنموية مستدامة، تجعل من الأقاليم الجنوبية فضاء للنموذج التنموي المتكامل، وقطبا اقتصاديا واستثماريا يربط المغرب بعمقه الإفريقي، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي ومؤهلاته البحرية واللوجستية والطاقية، فضلا عن المشاريع الكبرى والبنيات التحتية التي تعرفها المنطقة.


ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة تعزيز التنمية البشرية، وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب، وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، وترسيخ العدالة المجالية، بما يجعل المواطن في صلب السياسات العمومية، ويحول الوحدة الترابية من مكسب تاريخي إلى واقع تنموي ملموس يشعر به أبناء الأقاليم الجنوبية في حياتهم اليومية.


إن الوفاء الحقيقي لروح المسيرة الخضراء لا يقتصر على تخليد ذكراها واستحضار صورها ورموزها، وإنما يقتضي استلهام قيمها في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل؛ فكما استطاع المغاربة بالأمس أن يصنعوا ملحمة سلمية بإرادة جماعية، فإنهم مدعوون اليوم إلى مواصلة ملحمة البناء والتنمية والتحديث، بنفس الروح الوطنية ونفس الإصرار على صيانة الوحدة الترابية.


إنها لحظة لاستحضار التاريخ، ولكنها أيضا لحظة لتجديد الالتزام بالمستقبل؛ مستقبل مغرب موحد، قوي بمؤسساته، متماسك بجبهته الداخلية، واثق من عدالة قضيته، ومنفتح على محيطه الإقليمي والدولي، ومتشبث بخيار السلم والحوار والتعاون.


وهكذا تظل المسيرة الخضراء أكثر من مجرد ذكرى وطنية عابرة؛ إنها مدرسة في الوطنية والتعبئة الجماعية، وجسر يربط بين أجيال التحرير وأجيال البناء، ورسالة متجددة مفادها أن صيانة الوحدة الترابية مسؤولية مستمرة، وأن التنمية والاستقرار والكرامة الإنسانية هي الامتداد الطبيعي لملحمة السادس من نونبر.