تحليل

تحولات المشهد المغاربي: بين واقعية الدبلوماسية المغربية ومأزق البروباغندا الصفرية في الجزائر

أحمد بن عبد القادر

.لا يمكن قراءة حدة التراشق الإعلامي الأخير الذي تقوده المنصات الرسمية الجزائرية—وعلى رأسها وكالة الأنباء الرسمية—عقب التطورات الأممية الأخيرة المرتبطة بمستقبل بعثة المينورسو، كصراع لغوي عابر أو مجرد انحدار في اللباقة الدبلوماسية. إن هذا التصعيد يمثل في جوهره انعكاساً لأزمة بنيوية عميقة داخل العقيدة السياسية الجزائرية؛ أزمة تنشأ من الاصطدام الحاد بين واقعية دولية وإقليمية جديدة يصنعها المغرب، وبين سردية جزائرية جامدة تحاول إدامة نزاع إقليمي تجاوزه الزمن.

 

1. تلاشي أطروحة الاستفتاء والتحول نحو الواقعية الأممية.

 

تعد ثورة التحرير الجزائرية إرثاً تاريخياً مشهوداً، لكن الإشكال يكمن في إصرار صانع القرار الجزائري على توظيف هذا الإرث لتبرير مواقف عفا عليها الزمن في ملف الصحراء المغربية.

 

لقد كشفت كواليس مجلس الأمن الدولي ومخرجات القرار 2797 عن حقيقة تقنية وسياسية حسمتها الأمم المتحدة منذ سنوات، وهي أن خيار الاستفتاء التقليدي غير قابل للتحقق والتطبيق نظراً لصعوبات منطقية ومعضلات تقنية معقدة تتعلق بتحديد الهوية وإحصاء الساكنة. هذا الانسداد الهيكلي جعل المنتظم الدولي يسقط خيار الاستفتاء تدريجياً من أدبياته وقراراته، ليدفع بالأطراف نحو البحث عن تسوية سياسية واقعية. هذا التحول الأممي وضع الدبلوماسية الجزائرية في مأزق حقيقي، حيث باتت تدافع عن آلية ميتة سريرياً لم يعد المجتمع الدولي يعترف بجدواها.

 

2. مبادرة الحكم الذاتي: العتبة المرجعية الوحيدة للتسوية.

 

في المقابل، تتجلى مرونة الدبلوماسية المغربية في قدرتها على الموازنة بين ممارسة السيادة الكاملة والفعالة ميدانياً على أقاليمه الجنوبية من خلال مشاريع تنموية عملاقة، وبين تقديم مبادرة الحكم الذاتي الشجاعة منذ عام 2007 كإطار تفاوضي مرن وسقف سياسي نهائي.

 

لقد حظي هذا المقترح بقبول واسع ودعم متزايد من القوى الكبرى المؤثرة في مجلس الأمن والمجموعة الدولية، التي باتت تصف المبادرة المغربية بأنها الحل الوحيد الجدي والواقعي والقابل للتطبيق المستدام لإنهاء هذا النزاع المفتعل. هذا الزخم الدولي كرس السيادة المغربية كأمر واقع لا رجعة فيه، وحوّل مقترح الحكم الذاتي إلى القاعدة الحصرية لأي مسار سياسي مستقبلي تقوده الأمم المتحدة.

 

3. عدم التكافؤ الإعلامي: الهوس التغطوي ووظيفة "العدو الخارجي".

 

أمام هذه المكاسب الميدانية والدبلوماسية للمغرب، يكشف رصد الخطاب الإعلامي الرسمي في المنطقة عن ظاهرة لافتة من عدم التكافؤ؛ حيث يظهر هوس إعلامي رسمي مكثف من الجانب الجزائري باستهداف المغرب. وتؤكد المؤشرات التحليلية أن نسبة تناول الإعلام الرسمي الجزائري للمغرب وشؤونه بالهجوم والتشكيك تتعدى حاجز 500% مقارنة بما يفرد الإعلام المغربي للجزائر.

 

هذا التباين الصارخ يعكس كيف يتم توظيف "الخصم المغربي" في البروباغندا الجزائرية كأداة داخلية ملحة لشحن الشرعية السياسية وصرف الأنتباه عن الأزمات التنموية والاقتصادية. وحين يواجه هذا الإعلام التطورات السياسية بالعدوانية اللفظية والطعن في شرعية المؤسسات الدستورية المغربية (كالبرلمان)، فإنه يمارس نمطاً من "العدوانية الدفاعية" للتعويض عن الإخفاق الدبلوماسي وفقدان أوراق الضغط في المحافل الدولية.

 

4. سياسة "اليد الممدودة" في مواجهة القطيعة الصفرية.

 

تظهر المفارقة الكبرى عند مقارنة المنهجية الدبلوماسية لكلا البلدين على أعلى مستوى قيادي؛ فقد كرر العاهل المغربي الملك محمد السادس في مناسبات وخطب رسمية عديدة سياسة "اليد الممدودة" الصادقة تجاه الجزائر، داعياً إلى فتح الحدود، وتجاوز الخلافات التاريخية، وتأسيس آلية حوار ثنائي مباشر ودون شروط مسبقة لبناء مستقبل مغاربي مشترك.

 

إلا أن هذه المبادرات التصالحية المتكررة لم تلقَ أي آذان صاغية من جانب القيادة الجزائرية، بل قوبلت بإصرار على إغلاق الأجواء الإقليمية، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وتصعيد حدة العداء اللفظي والسياسي. هذا التباين يثبت للمراقبين الدوليين أن الطرف المغربي يتحرك بعقلية "الدولة المرنة التي تبني المستقبل والتكامل الإقليمي"، بينما يصر الطرف الآخر على التمسك بمنطق "المواجهة الصفرية والقطيعة الدائمة".

 

خلاصة: عجز البروباغندا أمام منطق الإنجاز والشرعية الدولية.

 

إن الانزلاق الإعلامي الجزائري الأخير يعكس عجز الآلة البروباغندية الرسمية عن استيعاب المتغيرات الدولية وحقائق الميدان. فالقوة الجيوسياسية للدول لا تقاس بنسب الهجوم الإعلامي المرتفعة، ولا بإنكار النظم الدستورية للجيران، بل بمدى امتلاكها لحلول واقعية تحظى بثقة المنتظم الدولي.

 

لقد وضع المغرب قطار التسوية على السكة الصحيحة من خلال السيادة الميدانية ومقترح الحكم الذاتي المدعوم دولياً، مصحوباً بسياسة ديبلوماسية متبصرة تمد اليد للسلام والتعايش. وفي المقابل، يبقى الخطاب الرسمي الجزائري عاجزاً عن التكيف، يختنق بأعباء ماضٍ يوظفه سياسياً، متحولاً من ذاكرة وطنية إلى سجن نفسي يعطل مصالح الشعوب المغاربية في التنمية والاستقرار والتكامل.