تحليل

موت المينورسو وولادة الحسم المغربي في الصحراء

سفيان خلي هنا

في ليلة 30 أكتوبر 2026، في قاعة مجلس الأمن بنيويورك، لم يفهم كثيرون ما الذي كان يحدث فعلا. ظنوا أن ما حدث كان فشلا، وأن الفيتو الروسي كان انتصارا للجزائر، وأن انتهاء المينورسو كان فراغا خطيرا. والحقيقة كانت عكس ذلك تماما. ما حدث تلك الليلة لم يكن فشلا، بل كان كمينا دبلوماسيا محكما نُصب بعناية في واشنطن والرباط، وسقطت فيه الجزائر والبوليساريو دون أن تشعرا.


الولايات المتحدة وضعت على الطاولة مشروع قرار لم يسبق له مثيل. مشروع لم يكن يطلب تمديدا للمينورسو، بل كان يطلب إنهاءها بشكلها القديم وتحويلها إلى بعثة جديدة بلا استفتاء. أخطر ما في المشروع لم يكن ما كتبه، بل ما حذفه. حذف كلمة الاستفتاء من اسم البعثة، وحذف المرجعية التي عاشت عليها البوليساريو خمسا وثلاثين سنة، وحذف معها أي أمل في العودة إلى نقطة الصفر.


روسيا فهمت الرسالة. موسكو لا تدافع عن البوليساريو حبا فيها، بل تدافع عن مبدأ واحد: لا نسمح لواشنطن أن تحسم ملفا دوليا بمفردها. لذلك استخدمت الفيتو. لكن واشنطن كانت تنتظر هذا الفيتو، بل كانت تريده، لأنها كانت تعرف أن المشروع الروسي البديل لن يحصل إلا على ثلاثة أصوات، وأنها ستستخدم الفيتو ضده أيضا، وأن النتيجة ستكون لا قرار ولا تمديد ونهاية المينورسو. وهذا ما حدث بالضبط.


في الجزائر وتندوف احتفل البعض بالفيتو الروسي وظنوا أنهم انتصروا، لكن في الرباط وواشنطن كان هناك من يبتسم بهدوء، لأنهم كانوا يعرفون أن الفيتو الروسي لم ينقذ المينورسو بل قتلها، وأن الجزائر هي من ستدفع الثمن. الجزائر راهنت على الفيتو الروسي لإسقاط المشروع الأمريكي ونسيت أن الفيتو سلاح ذو حدين، فخسرت البعثة وخسرت مرجعية الاستفتاء وخسرت ورقة الشرعية الأممية التي كانت تتخفى وراءها لعقود.


بينما كانت الجزائر تصدر بيانات الغضب، وبينما كانت البوليساريو تصدر بيانات التهديد، كان المغرب صامتا. صمت ليس صمت العاجز، بل صمت من يعرف ما يفعل. في 30 أكتوبر نفسه صدر بلاغ الديوان الملكي الأول، بلاغ قصير وهادئ لكنه كان يحمل قنبلة سياسية: المغرب يرحب بانتهاء المينورسو ويعتبرها خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي للملف.


ثم جاء بلاغ 4 نونبر ليكمل الصورة. جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس بحضور رئيسة الحكومة ومستشاره ووزير الداخلية وقائد المنطقة الجنوبية. تركيبة لم تكن عشوائية، كانت رسالة مشفرة للعالم كله: الصحراء لم تعد ملف وزارة الخارجية، أصبحت ملف دولة. الحكومة ستدير التنمية، والداخلية ستدير الانسحاب، والجيش سيحمي الأمن، والديوان الملكي سيقود الرؤية. والبلاغ لم يتحدث عن القلق أو التحفظ أو انتظار قرار الأمم المتحدة، بل تحدث بلغة الواثق: سنواكب التصفية، سنضمن الانسحاب السلس، سنواصل المشاريع المهيكلة، سنحمي مواطنينا. المغرب لم ينتظر الأمم المتحدة لتخبره ماذا يفعل، بل أخبر الأمم المتحدة ماذا سيفعل.


ولهذا وقع ارتباك بالجزائر ،ومن أجل فهم هذا الارتباك يجب أن نفهم معضلتها الوجودية. الجزائر ليست دولة تعارض المغرب في ملف الصحراء، الجزائر دولة بنيت على معارضة المغرب في ملف الصحراء. لعقود كان ملف الصحراء هو المبرر الوحيد لسباق التسلح ولإغلاق الحدود ولتعطيل الاتحاد المغاربي ولصرف مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز على دعم البوليساريو. وإذا طوي ملف الصحراء على قاعدة الحكم الذاتي، فإن النظام الجزائري سيجد نفسه وجها لوجه مع سؤال قاتل سيسأله المواطن الجزائري: لماذا صرفنا كل هذه الأموال؟ لماذا أغلقنا الحدود مع جارنا؟ لماذا ضحينا بمستقبل أجيال كاملة من أجل قضية خاسرة؟


لهذا السبب لا تستطيع الجزائر أن تقبل بالحسم، لأن قبولها بالحسم يعني قبولها بمراجعة خمسين سنة من سياستها الخارجية. لذلك أصدرت بيان الأسف العميق، ولذلك تحاول إعادة بناء تحالف قديم: الجزائر وجنوب إفريقيا وزيمبابوي وناميبيا. لكن هذا التحالف اليوم هو تحالف دفاعي يتراجع وليس تحالفا هجوميا يتقدم. والاتحاد الإفريقي لم يعد هو الاتحاد الإفريقي لسنة 1984. المغرب عاد إلى الاتحاد في 2017 وبنى شبكة مصالح اقتصادية ودينية وأمنية جعلت كثيرا من الدول ترى في الحكم الذاتي حلا واقعيا ينهي نزاعا استنزف إفريقيا لخمسين سنة.


أما البوليساريو فقصتها أكثر مأساوية. قبل أسابيع فقط كانت قيادة البوليساريو تهدد بالانسحاب من العملية السياسية وتلوح بالعودة إلى الحرب وتتحدث عن عمليات ضد المصالح المغربية وتعرقل مهام المينورسو. كانت تعتقد أن التهديد بالحرب سيجعل العالم يخاف وسيجعل مجلس الأمن يتراجع وسيجعل المغرب يقدم تنازلات. لكن العالم لم يخف، ومجلس الأمن لم يتراجع، والمغرب لم يقدم أي تنازل.


في 1 نونبر أصدرت البوليساريو بيانا من نيويورك حملت فيه المغرب المسؤولية الكاملة عن تقويض المينورسو وأكدت تمسكها بتقرير المصير والاستقلال. ثم في 4 نونبر، بعد ساعات فقط من البلاغ الملكي، خرج ما يسمى وزير الخارجية الصحراوي من الجزائر ليقول: البوليساريو لا ترفض التفاوض مع المغرب. لماذا هذا التحول المفاجئ؟ الجواب موجود في الكواليس وليس في البيانات الرسمية.


السبب الأول هو الإقصاء. الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ناقش في العيون ثم في الرباط ترتيبات انسحاب المينورسو مع السلطات المغربية فقط دون لقاء أي ممثل للبوليساريو. الجبهة اكتشفت أنها لم تعد طرفا في إدارة الانسحاب، وأن الأمم المتحدة نفسها تتعامل مع المغرب باعتباره السلطة الوحيدة على الأرض. والسبب الثاني هو الخوف من الموت السياسي. البوليساريو تعلم أن القرار 2797 جعل الحكم الذاتي هو الأساس الوحيد للتفاوض. إذا رفضت التفاوض ستخرج نهائيا من العملية، وإذا خرجت من العملية ستموت سياسيا.


والسبب الثالث هو الرعب من الداخل، وهذا هو السبب الأخطر الذي لا تتحدث عنه القيادة أبدا. في مخيمات تندوف هناك جيل جديد من الشباب الصحراوي وُلد في المخيمات ولم ير الصحراء قط، ويشاهد عبر الهواتف الذكية مشاريع الداخلة والعيون: الجامعات والمستشفيات والميناء الأطلسي ومحطات تحلية المياه والطاقة الشمسية والبنية التحتية التي تربط الداخلة بالعيون وبأكادير وبالدار البيضاء. هذا الشاب يسأل قيادته سؤالا بسيطا وقاتلا: إلى متى سنبقى هنا؟ إلى متى سنعيش على المساعدات الإنسانية بينما إخواننا في العيون والداخلة يبنون مستقبلهم؟ هذا السؤال الداخلي هو أخطر على البوليساريو من أي قرار لمجلس الأمن، لأنه سؤال لا يمكن الإجابة عليه بخطاب أيديولوجي من زمن الحرب الباردة.


ولكي تفهم كل ما حدث يجب أن تفهم دور واشنطن. منذ تغريدة ترامب في دجنبر 2020 التي اعترف فيها بسيادة المغرب على الصحراء، إلى القرار 2797 في 2025، إلى المسودة الأمريكية في أكتوبر 2026، هناك استمرارية واضحة في السياسة الأمريكية رغم تغير الإدارات. واشنطن لم تعد تتعامل مع الصحراء كملف أممي معزول، بل كجزء من هندسة إقليمية جديدة: المغرب حليف مستقر في مواجهة عدم الاستقرار في الساحل، وشريك في الأمن والطاقة والهجرة، وبوابة نحو إفريقيا، وهو الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا التي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة التمدد الروسي والصيني في القارة.


الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة قالها بعد الفيتو الروسي: ترامب لا يعتبر استمرار النزاع لخمسة عقود مبررا للاستسلام للجمود. الترجمة هي أن أمريكا ملت من إدارة النزاع، تريد حله، وتريد حله على قاعدة الحكم الذاتي. وهذا هو التغيير الكبير في السياسة الأمريكية: من إدارة النزاع إلى حسم النزاع، من الحياد إلى الانحياز الواضح للحل الواقعي. روسيا فهمت هذا لكنها لم تستطع منعه. أوروبا فهمته وبدأت تتبعه. وإفريقيا فهمته، وأكثر من ثلاثين دولة فتحت قنصليات في العيون والداخلة.


بلاغ 4 نونبر يجب أن يُقرأ ليس كتعليق على حدث، بل كإعلان عقيدة جديدة: لا عودة إلى الاستفتاء، لا مساومة على السيادة، وقف إطلاق النار التزام مغربي أخلاقي لا ورقة ضغط أممية، التنمية مستمرة والمشاريع المهيكلة مستمرة، والباب مفتوح للتفاوض لكن على أساس واحد وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.


النزاعات الطويلة لا تنتهي عندما يقتنع الخصوم، بل تنتهي عندما يدركون أنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار في رفض الحل. تلك اللحظة قد وصلت الآن. التاريخ سيذكر أن ليلة 30 أكتوبر 2026 كانت الليلة التي ماتت فيها المينورسو، وسيذكر أن يوم 4 نونبر 2026 كان اليوم الذي وُلد فيه المغرب الجديد في الصحراء: مغرب لا يدافع عن صحرائه بل يبنيها، مغرب لا ينتظر قرارات مجلس الأمن بل يصنعها على الأرض والاهم  أن الصحراء مغربية، والباقي تفاصيل.