تستوقفنا في المقتضيات المنظمة لانتخاب أعضاء مجالس هيئات المحامين صيغتها الوجوبية ، لما قد يُستخلص منها من آثار على صحة التصويت، خصوصًا حين تُربط مخالفتها بجزاء البطلان. ومن هنا يطرح السؤال: هل يتعلق الوجوب بضمان تمثيلية الفئات داخل المجلس عند انتهاء العملية الانتخابية، أم يمتد إلى إلزام كل ناخب باستكمال جميع الخانات المخصصة لها؟ إن تحديد محل الالتزام يسبق تحديد جزاء مخالفته؛ فلا يكفي إثبات الطابع الملزم للقاعدة للقول إن كل ورقة لا تستنفد الاختيارات المتاحة تكون باطلة.
فالمادة 123 من القانون رقم 66.23 تنص على انتخاب أعضاء المجلس من بين ثلاث فئات بحسب الأقدمية، «في حدود» أربعين في المائة، وخمسين في المائة، وعشرة في المائة ؛ وبذلك فالملاحظة الدالة أن المشرع لم يقل «على أساس نسبة» كذا، ولا «بنسبة» كذا، بل استعمل عبارة «في حدود». وهي عبارة تحمل، بحسب أصل دلالتها، معنى السقف الذي لا يجوز تجاوزه، دون أن تفيد بذاتها وجوب بلوغه في كل تعبير فردي عن الاختيار.
غير أن هذه الدلالة ينبغي وضعها في سياقها: فالنسب المذكورة تتعلق بتمثيلية الفئات داخل المجلس، ولم ترد في صيغة أمر مباشر للناخب بتضمين ورقته عددًا محددًا من الأسماء. ولذلك، فإنها تعزز الاعتراض على إلزامه باستنفاد اختياراته، لكنها لا تحسم المسألة منفردة. وتكتمل قراءتها بربطها بالمادة 124، المحددة لعدد الأعضاء المنتخبين، والمادة 132، المنظمة لطريقة الاقتراع.
ويكشف هذا الربط عن اختلاف بين الالتزام بإفراز مجلس هيأة مستوفٍ لتركيبته القانونية وبين كيفية مساهمة كل ناخب في إفراز تلك التركيبة ؛ فاشتراط انتخاب ثلاثين عضوًا لا يستتبع بالضرورة إلزام كل ناخب باختيار ثلاثين اسمًا؛ إذ يمكن استكمال المقاعد من مجموع الأصوات المعبر عنها، ولو اكتفى بعض الناخبين بتزكية عدد أقل من المرشحين ؛ وبهذا المعنى، تتجه صيغة الوجوب، وفق القراءة التي ندافع عنها، إلى تحقق التمثيلية في النتيجة النهائية، ولا تنتقل تلقائيًا إلى كل ورقة اقتراع ؛وتزداد قوة هذا التفسير بالنظر إلى أن المادة 132 اعتمدت الاقتراع الاسمي الفردي السري، دون أن تنص على وجوب ملء جميع خانات الفئات، أو تقرر صراحة بطلان الورقة المتضمنة عددًا أقل. ووصف الاقتراع بأنه اسمي وفردي لا يكفي وحده لإثبات جواز التصويت الجزئي، لكنه لا يؤسس أيضًا إلزامًا باستكمال العدد. ومن ثم، يحتاج إلغاء الورقة بسبب النقص إلى سند قانوني يتجاوز مجرد الاستناد إلى عدد المقاعد أو إلى إلزامية تمثيل الفئات.
فمن يختار عددًا محدودًا من المرشحين يعبر عن نطاق الثقة التي يريد منحها، ويترك بعض إمكانات الاختيار دون استعمال. وتختلف هذه الحالة عن تجاوز العدد المسموح به داخل الفئة؛ فالتجاوز يوسع اختيارات الناخب إلى ما يفوق السقف، بينما النقص يبقيها دونه. ولهذا، لا يصح افتراض وحدة الجزاء بينهما دون بيان القاعدة التي تبرر ذلك.
وقد يُدافع عن استكمال الخانات باعتباره وسيلة لتعزيز مشاركة الناخب في بناء التوازن بين الفئات والحد من تركيز الأصوات على أسماء محدودة. وهذه حجة قابلة للنقاش عند تقييم النظام الانتخابي وآثاره، لكنها لا تعوض السند اللازم لفرض التزام أو ترتيب إلغاء. ؛ لأن الملاءمة التنظيمية لا تكفي، وحدها، لتحويل إمكانية التصويت إلى واجب باستنفاد جميع الاختيارات.
كما ينبغي التمييز بين أثر الإخلال بالتمثيلية في تشكيل المجلس وأثر النقص في ورقة منفردة ؛ فجزاء البطلان الوارد في المادة 136 بشأن تمثيلية الجنسين يرتبط، بحسب ظاهر النص، بتركيبة المجلس؛ ولا يتضمن حكمًا صريحًا يلزم كل ورقة بأن تعكس بمفردها تلك التمثيلية. وهو ما يدعم ضرورة ضبط محل كل التزام قبل نقل جزائه إلى وضعية أخرى.
ومن زاوية توقعية، تكمن خطورة الغموض في تأجيل حسمه إلى لحظة الفرز ؛ فقد يعبر الناخب عن إرادته وفق فهم معين، ثم يجد ورقته مستبعدة بناء على شرط لم يكن واضحًا عند التصويت. وقد يؤدي اختلاف التطبيق بين المكاتب إلى منازعات تمس المساواة بين الناخبين وسلامة النتائج، مع أن توضيح القاعدة مسبقًا كان كفيلًا بتقليص أسبابها.
لذلك، يستحسن صدور منشور توضيحي من قبل المؤسسة المختصة، يبين كيفية التصويت داخل الفئات ومصير الأوراق المتضمنة عددًا أقل، ويميز بين النقص والتجاوز، مع تعليل أي سبب للإلغاء وبيان سنده القانوني. ويجب أن يظل هذا التوضيح في نطاق تفسير النص وتنظيم تطبيقه، دون إنشاء قيد لا يجد فيه أساسًا ؛ كما يقتضي اختصاص اللجنة الانتخابية، المقرر في المادة 129، إعلان القواعد المعتمدة وتوثيق مقرراتها، بما يجعلها معلومة وقابلة للفحص قبل ترتيب آثارها على الأصوات.
وعليه، نرجح جواز اكتفاء الناخب بعدد أقل من الأسماء داخل كل فئة، مع احترام سقف الاختيارات المقرر لها. ويقوم هذا الترجيح على تضافر دلالة «في حدود» مع التمييز بين تركيب المجلس والإرادة الفردية، وغياب إلزام صريح في المواد المذكورة باستكمال جميع الخانات. فوجوب تحقق التمثيلية عند إعلان النتيجة لا يكفي، بذاته، لإبطال ورقة لم يستنفد صاحبها جميع اختياراته؛ ومن يتمسك بهذا الإبطال مطالب ببيان سنده القانوني.
وفي آخر التحليل أختم بالتعبير عن أملي الكبير في أن تشكل تمثيلية الزميلات داخل مجالس الهيئات تمرينًا ديمقراطيًا يترجم الوعي بجدوى مقاربة النوع الاجتماعي إلى ممارسة مؤسسية، تتجاوز استيفاء النسب إلى ضمان المشاركة الفعلية في التداول وصنع القرار. وهي فرصة لإنصاف الكفاءات، وتحفيز الطاقات المغمورة، وفتح المجال أمام تجارب لم تنل حظها من الظهور والتقدير؛ بما يغني العمل الجماعي ويجعل مجالسنا أقدر على التعبير عن تنوع الجسم المهني وتطلعاته.






