تقديم، ليست العلاقة بين المغرب والجزائر مجرد خلاف سياسي ودبلوماسي عابر، ولا هي نتيجة نزاع حدودي أو اختلاف في المواقف من قضية الصحراء فقط. وانما نحن أمام حالة مركبة من التنافس الجيوسياسي، وتعارض التصورات الاستراتيجية، وتراكم الذاكرة التاريخية، وتضارب المشاريع الإقليمية حول من يمتلك القدرة على التأثير في مستقبل شمال إفريقيا والساحل وغرب المتوسط.
فلماذا اذن يحتل المغرب مساحة واسعة في الحسابات السياسية والاستراتيجية الجزائرية؟ وهل نحن أمام ما يمكن تسميته مجازاً «فوبيا المغرب»، أم أمام تصور أمني وسياسي يجعل من صعود المغرب وتوسع شراكاته الدولية والإفريقية عاملاً مؤثراً في العقيدة الاستراتيجية الجزائرية؟
إن استعمال مفهوم «فوبيا المغرب» لا يتعلق بتشخيص نفسي لدولة أو لمؤسساتها، وإنما بوصفه نمطا من الإدراك السياسي الذي ينظر إلى تحولات الجار باعتبارها تهديداً محتملاً للموقع والنفوذ والتوازن الإقليمي.
ومن هنا السؤال: لماذا تعادي الجزائر المغرب؟ وكيف تشكلت الفلسفة السياسية الجزائرية تجاه المغرب، وكيف أصبحت قضية الصحراء إحدى البوابات المركزية لفهم هذه الفلسفة؟
أولاً: الجذور التاريخية؛ من التضامن التحرري إلى التنافس على قيادة المغرب العربي، انه لفهم الموقف الجزائري تجاه المغرب، يجب بداية العودة إلى فترة استقلال البلدين، اي قبل نزاع الصحراء بأكثر من عقد من الزمن. فقد كان المغرب قاعدة خلفية مهمة للثورة الجزائرية، حيث احتضنت أراضيه نشاطاً سياسياً وعسكرياً لجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وكان يفترض أن يشكل هذا التضامن أساساً لعلاقات استراتيجية بين الدولتين لما بعد الاستقلال. الا انه سرعان ما اصطدمت هذه الإمكانية بثلاثة عوامل:
1. إرث الحدود الاستعمارية، حيث لم يترك الاستعمار الفرنسي والإسباني حدوداً متفقاً عليها بشكل نهائي بين البلدين. وبرز الخلاف حول مناطق حدودية صحراوية، مباشرة بعد استقلال الجزائر سنة 1962. كما انفجر التوتر في حرب الرمال سنة 1963، حيث كشفت المواجهة عن أن التضامن التحرري لا يكفي وحده لبناء علاقة استراتيجية مستقرة.
لذلك، شكلت حرب الرمال مواجهة عسكرية محدودة؛ لكنها في العمق سوف تؤسس لذاكرة سياسية متبادلة من الشك والحذر، ورسخت لدى النخب الحاكمة في البلدين تصوراً عن الجار باعتباره منافساً محتملاً على النفوذ الإقليمي.
وتؤكد دراسة تاريخية منشورة سنة 2025، استندت إلى وثائق دبلوماسية فرنسية وأمريكية، أن الصراع لم يكن حدودياً فقط، بل تداخلت فيه الاختلافات الإيديولوجية ومشكلات بناء الدولة والتنافس على المكانة الإقليمية.
2. اختلاف النموذج السياسي، لقد، اتجه البلدان بعد الاستقلال إلى بناء نموذجين سياسيين مختلفين: فالمغرب: ملكية دستورية ذات امتدادات تاريخية ومؤسسات تقليدية، اختارت المحافظة على علاقات استراتيجية مع الغرب، مع تنويع شراكاتها الدولية.
اما الجزائر، فاختارت نظاما جمهوريا نشأ من ثورة تحريرية، وارتبط مؤسساتياً وعقائدياً بشرعية الثورة وجيش التحرير، واعتمد في مراحل مهمة من الحرب الباردة خطاباً اشتراكياً وتحررياً ومناهضاً للاستعمار. لذلك، لم يكن الاختلاف بين الملكية والجمهورية مجرد اختلاف في شكل النظام السياسي، بل انعكس على تصور كل دولة حول مفهوم الشرعية، والأمن القومي، والقيادة الإقليمية.
وبناء على ذلك، نشأت مفارقة تاريخية كبيرة: دولتان ساهمتا في تحرير المنطقة من الاستعمار، لكنهما لم تستطيعا الاتفاق على هندسة مشتركة لمستقبلها.
3. معضلة الزعامة المغاربية، انه منذ ستينيات القرن الماضي، انطلق تنافس غير معلن حول الدولة التي تستطيع قيادة الفضاء المغاربي. فالجزائر تمتلك عمقاً جغرافياً واسعاً، وموارد طاقية مهمة، ومؤسسة عسكرية ذات حضور قوي في صناعة القرار. أما المغرب فيمتلك امتداداً أطلسياً ومتوسطياً، وشبكة علاقات دبلوماسية وتاريخية، وروابط إفريقية وعربية وأوروبية متعددة.
وبذلك لم يكن التنافس على الصحراء منفصلاً عن التنافس على هندسة المجال المغاربي، بل أصبح أحد تعبيراته الأكثر حضورا استمرارية.
ثانياً: الصحراء المغربية؛ من قضية تصفية استعمار إلى محور في التنافس الاستراتيجي، فمنذ سنة 1975، تحولت قضية الصحراء إلى العامل الأكثر تأثيراً في العلاقات المغربية الجزائرية. لذلك، وجب التمييز في هذا الصدد بين ثلاثة مستويات:
الأول: الموقف المعلن للجزائر. حيث تقدم الجزائر دعمها لجبهة البوليساريو باعتباره دفاعاً عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتؤكد أن النزاع ينبغي أن يعالج في إطار الأمم المتحدة، وأنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع!؟
الثاني: الممارسة السياسية والاستراتيجية، حيث تستضيف الجزائر قيادة البوليساريو ومخيمات اللاجئين الصحراويين على أراضيها، وتوفر دعماً سياسياً ودبلوماسياً للجبهة، وتدافع عن أطروحتها في المحافل الدولية.!! وهذا ما يجعل الجزائر طرفا أساسياً في المعادلة السياسية للنزاع، بصرف النظر عن توصيفها القانوني لدورها.
الثالث: الحسابات الجيوسياسية، حيث تتجاوز أهمية الصحراء مسألة تقرير المصير أو السيادة الترابية، لتشمل التوازن الاستراتيجي في غرب شمال إفريقيا، والامتداد الأطلسي، والطرق التجارية، والعلاقات الإفريقية، وموقع المغرب في معادلات الأمن الإقليمي.
وتشير دراسة "مجموعة الأزمات الدولية" الصادرة في 29 نوفمبر 2024، إلى أن الصحراء أصبحت نقطة الاحتكاك الرئيسية، وأن التنافس بين البلدين يرتبط أيضاً بتوسع علاقاتهما الدولية، وسباق التسلح، والتباين في المقاربات الأمنية. فهل تريد الجزائر استقلال الصحراء أم الحد من النفوذ المغربي؟ ان السؤال هنا بالغ الاهمية، غير انه يحتاج إلى التفريق بين الخطاب الرسمي والدوافع الاستراتيجية المفترضة. فالموقف الجزائري مبني على دعم "تقرير المصير والنفوذ الاستراتيجي" في المنطقة.
وتأسيسا على ذلك، فان استمرار النزاع يمنح الجزائر قدرة على التأثير في توازنات المغرب الإقليمية، ويحول دون إغلاق ملف استراتيجي يعتبره المغرب أساسياً لاستكمال مشروعه الوطني والإفريقي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ازمة الصحراء المغربية فهي بالنسبة للجزائر، ورقة استراتيجية في حسابات التنافس الإقليمي. الا ان ذلك، لا يلغي حقيقة أن للصحراويين مطالب سياسية وحقوقية ينبغي أن تكون حاضرة في أي تسوية عادلة ومستدامة.
ثالثاً: «فوبيا المغرب»؛ كيف يمكن فهمها في علم السياسة؟ انه إذا أردنا استعمال هذا التعبير، فمن الأفضل أن نضعه في إطار "مفهوم إدراك التهديد الاستراتيجي".
فالدولة لا تتعامل مع جارتها وفق قدراتها المادية فقط، بل وفق الصورة التي تتشكل عنها داخل مؤسساتها السياسية والأمنية. فقد تتحول نجاحات الجار الدبلوماسية والاقتصادية إلى مصدر قلق، حتى عندما لا تكون موجهة ضده مباشرة.
وفي الحالة الجزائرية، يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال أربعة أبعاد اساسية:
1. القلق من التحول المغربي، فقد شهدت السياسة الخارجية المغربية خلال العقود الأخيرة توسعاً في عدة مجالات، منها: تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. توسيع الحضور الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا. الاستثمار في البنية التحتية والموانئ والطرق والربط اللوجستي.
تنويع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية. وتطوير المبادرات المرتبطة بالواجهة الأطلسية الإفريقية.
ان هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن المغرب يسعى إلى محاصرة الجزائر، لكنها تغير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الدولتان.
2. معضلة العلاقات المغربية الإسرائيلية، لقد شكل استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ سنة 2020، في سياق الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، عاملاً إضافياً في الحسابات الأمنية الجزائرية.
فقد نظرت الجزائر إلى التعاون العسكري والتكنولوجي بين الرباط وتل أبيب باعتباره تطوراً يمس أمنها القومي.
وفي مقابل ذلك، قدم المغرب هذه الشراكة باعتبارها جزءاً من تنويع علاقاته الاستراتيجية والدفاعية.
وقد وثقت "مجموعة الأزمات الدولية" هذا الاختلاف في الإدراك الأمني، معتبرة أن التعاون المغربي الإسرائيلي أصبح أحد مصادر التوتر بين البلدين.
3. التنافس على إفريقيا، على هذا المستوى، لم تعد إفريقيا مجرد مجال للتمثيل الدبلوماسي أو التضامن السياسي، بل أصبحت مجالاً للتنافس على الاستثمار، والبنيات التحتية، والموانئ، والطاقة، والأسواق، والتموقع في المؤسسات القارية. ومن هنا يتقاطع المشروع المغربي، القائم على الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية والمالية والدينية، مع الحضور الجزائري التقليدي في ملفات الساحل والأمن والطاقة.
لذلك، فإن ما يثير أهمية هذا التنافس هو أن المغرب لا يتحرك فقط من خلال علاقاته الثنائية، بل عبر بناء شبكات مصالح اقتصادية وإفريقية ممتدة.
4. أزمة الثقة وتحول الجار إلى مصدر تهديد، ان من أخطر نتائج القطيعة السياسية أن كل تحرك يصدر عن الدولة الأخرى يصبح قابلاً للتفسير باعتباره خطوة عدائية. فالجزائر ترى في بعض التحالفات المغربية تطورات أمنية مقلقة، والمغرب يرى في الدعم الجزائري للبوليساريو استمراراً لاستهداف وحدته الترابية.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة من انعدام الثقة.
ان هذه الدائرة هي التي تجعل مفهوم «فوبيا المغرب» وصفاً سياسياً لنمط من الإدراك الاستراتيجي، وليس حكماً على المجتمع الجزائري أو تشخيصاً لنفسيته.
رابعاً: لماذا يصعب على الجزائر تقبل التحولات في الموقف الدولي من الصحراء؟ ان هذه المسالة، تتصل بما يمكن تسميته "أزمة التكيف مع التحولات" في المرجعية الدولية. فلسنوات طويلة، اعتمدت الجزائر على ثلاثة مرتكزات في إدارة ملف الصحراء:
1- تقديم القضية باعتبارها قضية تصفية استعمار.
2- الدفاع عن خيار الاستفتاء وتقرير المصير.
3- حشد الاعترافات والدعم الدبلوماسي للجمهورية الصحراوية المعلنة من طرف واحد.
الا ان البيئة الدولية لم تعد ثابتة، والمقاربات الدبلوماسية تغيرت. فقرار مجلس الأمن 2797 لسنة 2025، يشكل محطة ذات دلالة استراتيجية كبيرة، فهو يمثل محطة مهمة في تطور معالجة النزاع.
وتتيجة لذلك، تم التمديد لبعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، وأكد دعم مجلس الأمن للمفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التشديد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، يضمن تقرير المصير لشعب الصحراء.
كما أشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد المخرجات الاكثر قابلية للتطبيق.
فهذه الصياغة تحمل دلالات سياسية ذات أهمية بالغة، لأنها تجعل المقترح المغربي منطلقاً مركزياً للمفاوضات.
ومن زاوية الحسابات الجزائرية، يطرح هذا التطور سؤالاً استراتيجياً: كيف يمكن للجزائر المحافظة على مقاربتها التقليدية في وقت تتزايد فيه أهمية مقترح الحكم الذاتي داخل الدبلوماسية الدولية؟
إن المسألة هنا، ليست مجرد خسارة موقف دبلوماسي هنا أو مكسب هناك، وإنما تتعلق بإعادة ترتيب شروط التفاوض وموازين التأثير. فالتحول في مرجعية التفاوض قد يفرض على الجزائر مراجعة أدواتها الدبلوماسية، حتى إن لم تكن مستعدة لمراجعة مرتكزات خطابها السياسي.
خامساً: هل الصراع مع المغرب جزء من فلسفة الدولة الجزائرية؟ انه من الصعب جدا تفسير استمرار التوتر المغربي الجزائري باختلاف الرؤساء أو الحكومات؛ فالأزمة تتجاوز الأشخاص والمؤسسات التنفيذية، وأصبحت مرتبطة ببنية أعمق لصناعة القرار في البلدين.
وبناء على ذلك، يمكن تحديد أربعة عناصر في الفلسفة السياسية الجزائرية تجاه المغرب:
1. مركزية المؤسسة العسكرية في التصور الأمني للدولة.
فتاريخياً، ارتبط بناء الدولة الجزائرية بشرعية الثورة ومؤسسة الجيش. وقد جعل ذلك قضايا السيادة والأمن والحدود والتحالفات الخارجية عناصر أساسية في التفكير الاستراتيجي الجزائري. ولا يعني ذلك أن الجيش هو وحده من يصنع السياسة الخارجية، بل إن فهم هذه السياسة يقتضي ايضا استحضار الوزن التاريخي والمؤسساتي للمؤسسة العسكرية.
2. استمرار الذاكرة التحررية في السياسة الخارجية.
فالجزائر تستمد جزءاً مهماً من شرعيتها الدولية من تاريخ الثورة التحريرية ومناهضة الاستعمار. ومن ثم فإن دفاعها عن "تقرير المصير في الصحراء" ينسجم مع خطابها التاريخي حول "التحرر الوطني"!!!. غير ان هذا المرتكز يطرح إشكالية سياسية كبيرة: كيف يمكن التوفيق بين الدفاع عن حق تقرير المصير من جهة، ومقتضيات حسن الجوار والتعاون الإقليمي من جهة أخرى؟
3. التنافس على الموقع الإقليمي، لا تنظر الجزائر إلى المغرب باعتباره جارا جغرافيا فقط، بل باعتباره قوة إقليمية منافس لها في شمال إفريقيا وغرب المتوسط والساحل، كما ان فالمغرب يتعامل مع التحولات الجزائرية ضمن حساباته الأمنية والاستراتيجية.
4. توظيف القضية الخارجية في بناء التماسك الداخلي.
ففي علم السياسة، كثيراً ما تتحول القضايا الخارجية إلى عناصر في بناء الهوية الوطنية وتعبئة الرأي العام.
وقد تصبح صورة الخصم الخارجي جزءاً من الخطاب السياسي الداخلي، بما يضيق مساحة التسوية والتنازل.
غير انه يجب عدم تعميم هذا التفسير على المجتمع الجزائري أو افتراض وجود موقف شعبي واحد؛ فالمجتمعات ليست بالضرورة مطابقة لخطابات حكوماتها.
سادساً: القطيعة الدبلوماسية سنة 2021؛ عندما يصبح الخلاف عقيدة في إدارة العلاقات، ففي 24 أغسطس 2021، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، في خطوة عكست بلوغ التوتر مستوى غير مسبوق في العلاقات بين البلدين. ثم تتابعت إجراءات أخرى، من بينها إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المغربية، وعدم تجديد اتفاق مرور الغاز عبر المغرب، وإعادة فرض التأشيرة على المواطنين المغاربة في سبتمبر 2024. وقد قدمت الجزائر مبررات أمنية وسياسية لقراراتها، بينما رفض المغرب الاتهامات الموجهة إليه جملة وتفصيلا.
إن أهمية هذه الإجراءات لا تكمن في آثارها المباشرة فقط، وإنما في أنها نقلت الخلاف من مستوى التنافس الدبلوماسي إلى مستوى القطيعة المؤسساتية.
والنتيجة أن الاتحاد المغاربي أصبح أكثر تعثراً، والتعاون الاقتصادي والأمني ظل معطلاً.
وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن غياب الحوار المباشر، إلى جانب سباق التسلح وحوادث الصحراء وخطاب الكراهية الرقمي، رفع من مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
وهنا تبرز مفارقة سياسية واقتصادية كبرى: فالبلدان يمتلكان إمكانات طاقية وبشرية وجغرافية هائلة، ويستطيعان تشكيل قطب اقتصادي مهم في المتوسط وإفريقيا، لكن بسبب الصراع تبدد كل المقدرات لبناء مشروع مشترك.
سابعاً: المغرب والجزائر؛ صراع مشروعين أم صراع تصورين للمستقبل؟ ان هذا السؤال هو الأكثر أهمية في فهم طبيعة التنافس. فالمغرب يتجه، في سياسته الخارجية والاقتصادية، إلى بناء موقع إقليمي يستند إلى الأطلسي والمتوسط وإفريقيا، ويستثمر في الموانئ والربط التجاري والطاقات المتجددة والشراكات الدولية.
وفي المقابل، تستند الجزائر إلى مواردها الطاقية، وعمقها الجغرافي، وموقعها في معادلات الأمن بالساحل، وعلاقاتها الدولية، ومؤسساتها العسكرية والدبلوماسية.
فنحن إذن أمام تصورين مختلفين للنفوذ الإقليمي.
لذلم، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا ليس من ينتصر على الآخر، بل أي نموذج يستطيع تحويل إمكاناته إلى استقرار وتنمية وتعاون إقليمي.
ثامناً: ما مستقبل العلاقة بين البلدين؟ في الاعتقاد هناك ثلاثة سيناريوهات استراتيجية:
الأول: استمرار الصراع البارد، وهو استمرار القطيعة الدبلوماسية، والتنافس على النفوذ الإفريقي، والتعبئة السياسية والإعلامية حول الصحراء، مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، وهو ما يعني بقاء المغرب والجزائر في حالة استنزاف استراتيجي متبادل، مع استمرار تعطيل المشروع المغاربي.
الثاني: إعادة ترتيب التوازنات، فقد تفرض التحولات الدولية والإقليمية على البلدين مراجعة حساباتهما، خصوصاً مع تصاعد أهمية الأمن الطاقي، واستقرار الساحل، والتجارة الأطلسية، والتحولات في النظام الدولي. وقد يفتح ذلك المجال أمام قنوات اتصال غير مباشرة، أو تفاهمات محدودة حول المصالح المشتركة.
الثالث: الانفراج الدبلوماسي، وهو المسار الذي يتطلب إرادة سياسية متبادلة، وفصل الملفات الخلافية عن المصالح الحيوية للشعبين. ولا يعني الانفراج أن تتخلى الجزائر عن مواقفها المعلنة، أو أن يتراجع المغرب عن ثوابته الوطنية، وإنما أن يقبل الطرفان بإدارة الاختلاف داخل إطار سياسي ودبلوماسي.
كما انه من الممكن أن يشكل التعاون الاقتصادي والأمني، وفتح الحدود، وإحياء الاتحاد المغاربي، مدخلاً تدريجياً لبناء الثقة.
تاسعاً: ما الذي على المغرب أن يفعله ؟ إن فهم الفلسفة السياسية الجزائرية ينبغي أن لا يقود المغرب إلى تبني سياسة ردود الفعل، بل إلى تطوير رؤية استراتيجية مستقلة. ومن أجل نقترح في هذا السياق، خمسة مرتكزات اساسية:
أولاً: تثبيت المرجعية الدبلوماسية، من خلال مواصلة الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي، وتعزيز حضوره في المؤسسات الدولية، مع الالتزام بالمرجعية الأممية ومقتضيات الحل السياسي.
ثانياً: بناء القوة الاقتصادية. فالموانئ الكبرى، مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، ليست مجرد منشآت بنية تحتية؛ بل هي أدوات لإعادة تموقع المغرب في الاقتصاد الدولي والفضاء الإفريقي.
ثالثاً: تقوية العمق الإفريقي، حيث ينبغي ألا يتحول التنافس مع الجزائر إلى غاية في حد ذاته، بل أن يظل الحضور المغربي في إفريقيا مشروعاً اقتصادياً وتنموياً مستقلاً.
رابعاً: تحصين الجبهة الداخلية، لان القوة الدبلوماسية تحتاج إلى اقتصاد منتج، وتعليم جيد، وبحث علمي متقدم، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات ذات مصداقية.
خامساً: إبقاء باب الحوار مفتوحاً، فالمغرب لا يحتاج إلى تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية مع الشعب الجزائري. فالشعبان تجمعهما روابط تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة.
لذلك، فإن التمييز بين الموقف من سياسات الدولة والموقف من المجتمع ضرورة سياسية وأخلاقية.
في الختام: هل المغرب عقدة الجزائر أم أن الجزائر أسيرة معادلة الصراع مع المغرب؟ انه ربما يكون السؤال العميق هنا هو: هل يمثل المغرب عقدة استراتيجية في التفكير السياسي الجزائري، أم أن الجزائر أصبحت أسيرة تصور تاريخي وأمني يجعل من المغرب منافساً دائماً؟
إن قراءة مسار العلاقات بين البلدين منذ 1962، تكشف أن المشكلة ليست وليدة قضية الصحراء وحدها، وإنما هي نتاج تراكم تاريخي من التنافس على الحدود والشرعية والنفوذ والزعامة الإقليمية. كما تحولت حرب الرمال سنة 1963 إلى ذاكرة مؤسسة للشك المتبادل، ثم جاء نزاع الصحراء منذ منتصف السبعينيات ليمنح هذا التنافس موضوعاً سياسياً واستراتيجياً مستمراً.
ومع التحولات التي عرفها المغرب في عهد الملك محمد السادس، خصوصاً في الدبلوماسية الإفريقية، والشراكات الدولية، والموانئ، والبنية التحتية، والتموقع الأطلسي، أصبحت معادلة التنافس أكثر تعقيداً.
إن ما نواجهه هو أزمة ثقة استراتيجية بين دولتين لم تتمكنا، منذ الاستقلال، من الانتقال من منطق التنافس على الزعامة إلى منطق الشراكة في بناء المجال المغاربي.
ولعل المفارقة الكبرى أن المغرب والجزائر يمتلكان معاً مقومات تشكيل قوة إقليمية ذات وزن اقتصادي وسياسي ودبلوماسي في إفريقيا والمتوسط، لكنهما يعيشان حالة من التنافر تحول دون استثمار هذه الإمكانات.
إن المغرب ليس في حاجة إلى أن يكون هاجساً للجزائر حتى يثبت حضوره الإقليمي، والجزائر ليست في حاجة إلى اعتبار نجاح المغرب تهديداً لمكانتها حتى تحافظ على مصالحها الاستراتيجية.
فالدول القوية لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة منافسيها، وإنما بقدرتها على تحويل محيطها الجغرافي إلى مجال للاستقرار والتعاون.
وأخطر ما في «فوبيا المغرب»، ليس أنها تجعل الجزائر تنظر إلى المغرب باعتباره منافساً، بل أنها قد تجعل استقرار المغرب وتقدمه جزءاً من حسابات القلق الجزائري، وتجعل الخلاف معه غاية قائمة بذاتها بدل أن يكون موضوعاً قابلاً للتفاوض والتسوية.
وفي المقابل، فإن التحدي المغربي الحقيقي ليس إثبات تفوقه على الجزائر، وإنما بناء دولة قوية اقتصادياً وعلمياً ومؤسساتياً، قادرة على حماية مصالحها وتوسيع شراكاتها دون الارتهان لمنطق الخصومة.
إن معركة المستقبل في شمال إفريقيا ليست معركة المغرب ضد الجزائر، بل معركة بناء فضاء مغاربي قادر على الانتقال من جغرافيا الحدود المغلقة إلى جغرافيا المصالح المشتركة. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: لقد تحرر البلدان من الاستعمار، لكنهما لم يتحررا بعد من إرث الصراع الذي تركه الاستعمار في علاقاتهما.






