في هذا السياق، يبدو أن المغرب نجح في تحويل التجاذبات الأخيرة، بين القوى العظمى داخل مجلس الأمن، إلى فرصة استراتيجية فريدة وغير مسبوقة، تتيح له القفز فوق العقبات التقليدية، وإعلان الإغلاق الفعلي لملف مفتعل حول صحرائه عمر أكثر من نصف قرن، ثم الانتقال مباشرة إلى مرحلة ما بعد هذه "المصادرة العبقرية للنزاع".
الاستقطاب الدولي: الفيتو المتبادل وسقوط أوراق الضغط
في كواليس الجلسات الأخيرة لمجلس الأمن الدولي، تولّدت مفارقة سياسية بالغة التعقيد، تعكس حجم القطبية الثنائية في صيغتها الراهنة. وقد تمثلت هذه المفارقة في اصطدام المشاريع الدولية بفيتو متبادل؛ حيث وُوجِهَتْ المساعي الأمريكية بموقف روسي حاسم، في حين تحركت واشنطن، من جهتها وبنفس الحسم، لقطع الطريق أمام أي محاولة من موسكو ترمي إلى جر الملف نحو الخندق الجزائري، أو إلى أطروحة البوليساريو، أو للإبقاء عليه رهين تقارير وتوصيات أممية وقرارات أمنية فضفاضة لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وكما لم يكن ذلك متوَقَّعاً، فإن هذا "الشلل الدبلوماسي" المتبادل داخل مجلس الأمن، سواء كان وليد إغفالٍ أو حسابات خاطئة من لدن القوى الكبرى، أو نتاجَ تنسيق وتدبير فيما بينها خلف الكواليس لإبقاء الوضع على ما كان عليه، أدى في نهاية المطاف إلى خدمة الأهداف المغربية بشكل مباشر.
والواقع أن النتيجة الأبرز لهذا الاستقطاب، تجلت في جمود فاعلية بعثة "المينورسو". وأنه مع تراجع دور البعثة الأممية، واقتصار مهامها على إعداد تقارير محتشمة توثق للخروقات أحادية الجانب لاتفاق وقف إطلاق النار، من لدن جبهة البوليساريو... أقول إن نتيجة ذلك التراجع، أنّ البعثة الأممية تحوّلت من أداة للحل إلى رمز للشلل السياسي. هذا الوضع، الذي منح الرباطَ المبرر الموضوعي لتجاوز السياقات القديمة التي أثبتت عقمها على مدار عقود.
الفرصة التاريخية: من الترقب إلى المبادرة الميدانية
إن هذا الارتباك الدولي لم يكن ليمثّل أزمة بالنسبة للمملكة الشريفة، بل نجده يشكّل "فرصةً تاريخية سانحةً" ولا تعوَّض. ذلك، أن الدبلوماسيا المغربية لم تلبث أنْ أدركت أنّ انتظار توافق دولي حول الملف ذاته قد يستغرق عقوداً أخرى لكونه يبدو ممتنعاً، حتى لا أقول مستحيلاً، وأن الحل الحقيقي يجب أن يُصنَع بمبادرة على الأرض، وليس بالرتابة المعهودة داخل قاعات مانهاتن المكيَّفة بنيويورك.
من هنا، جاء التوجه الاستراتيجي الجديد والمفاجئ والحاسم، نحو المرور رأساً إلى تطبيق الرؤية السياسية والتنموية المغربية، دون الالتفات إلى المناورات الدبلوماسية لخصوم وحدتنا الترابية، التي باتت تدور في حلقة مفرغة.
تعتمد هذه المقاربة على شقين أساسيين:
الشق الأول:
يتمثل في تفعيل مقترح الحكم الذاتي ميدانياً. حيث لم يعد المقترح المغربي مجرد مبادرة فوق طاولة المفاوضات الدولية، بل تحوّل خلال السنوات القليلة الماضية إلى إطار عملي لبناء المؤسسات المحلية، ولإشراك الساكنة في تدبير شؤونها بصفة ديمقراطية، نظامية ومشروعة، مما يفرض على المجتمع الدولي والضمير العالمي واقعاً شرعياً وقانونياً لا يمكن تجاوزه.
الشق الثاني:
يكمن في تسريع وتيرة التنمية الشاملة. حيث تشهد الأقاليم الجنوبية ثورة تنموية غير مسبوقة، من خلال مشاريع بنيوية في غاية الضخامة، مثل الموانئ الأطلسية، ومراكز الطاقة المتجددة، ومراكز تحلية المياه، والبنيات الأساسية المتقدمة... هذه التنمية لا تهدف فقط إلى رفع مستوى معيشة الساكنة، بل تروم ربط الصحراء المغربية بالعمق الإفريقي والدولي كمركزٍ اقتصاديٍّ متّسِعِ الآفاق.
فرض الأمر الواقع وتجاوز الأطروحات المتجاوزة:
يمكن القول، في المحصّلة، إن المغرب تمكّن بحنكة سياسية ودبلوماسية، لا يختلف عليها اثنان، من تحويل الخلافات الدولية، والتجاذب الروسي الأمريكي داخل مجلس الأمن تحديداً، إلى بيئة مثالية لإنهاء النزاع المفتعل.
هكذا، فمن خلال التركيز على البناء الداخلي والنمو الاقتصادي وتنزيل الحكم الذاتي على أرض الواقع، يكون المغرب قد أغلق ملف الصحراء عملياً، وفرضه كأمر واقع لا يُرتفَع عليه، تاركاً لخصوم وحدته الترابية عناء الركض وراء سراب الأطروحات المتجاوزة، التي لم تَعُد تُجدي نفعاً، ولم تعد تجد لها صدىً لا في الميدان ولا في مراكز القرار الدولي.
لقد انتقلنا الآن إلى مرحلة جديدة يمكن أن نجعل لها كعنوان: "السيادة تُصنَع بالتنمية والاستقرار"... ومن الصعب أن يجد لها الخصوم مَقيلاً... و... عجبي !!!






