تلك هي خلاصة تعليق بوريطة على بيان الخارجية الجزائرية. جاء هذا التعليق خلال لقاء الوزير المتلفز على القناة الثانية المغربية.
وهناك خلاصة أخرى من نوع الكلاشات التي تثير شهية وسائل التواصل الاجتماعي: قال لزميله الشرقي بوضوح: "انظروا نتيجة مناوراتكم من اجل الحفاظ على حرف الراء في تسمية المينورسو.. ها أنتم حصلتم على الفيتو الروسي، وها نحن حصلنا على إنهاء المينورسو بالكامل ...هههه" (هو لم يضحك طبعا.. ولم يغمز بإحدى عينيه.. بل قالها بهدوء مستفز.. التكتوكيون هم الذين سيغمزون ويضحكون ملء الأشداق، من المفارقة التي ينطوي عليها الموقف).
في جانب آخر، لفت انتباهي في توضيحات الوزير جزئية لا بأس من ابرازها وتأملها. بدا لي كما لو أن الوزير تردد قليلا قبل ان يؤكد حاسما ان الروس ابلغوا المغرب صراحة بموقفهم: في البداية قال ان الامور كانت واضحة منذ عدة ايام، وانه كان علينا ان نقرر ما اذا كنا سنرى في الموقف الروسي خطرا، فنحاول ارضاء الجانب الروسي بتقديم بعض التنازلات في صياغة القرار، ام نرى فيه فرصة، فنتمسك بموقفنا ونحتفظ بالصيغة الاصلية لمشروع القرار. وفي الأخير قررنا ان لا نحاول تغيير الموقف الروسي.
اوحى الوزير في البداية ان معرفة المغرب بفحوى الموقف الروسي كانت مجرد استنتاج تحليلي، ثم عاد مرة اخرى ليضيف، على اطراف شفتيه ان الروس ابلغوه بموقفهم. وأضاف انه التقى بلافروف يتعليمات من الملك، ولم يسع الى مفاوضته لتعديل موقف بلاده.
من المؤكد ان المغرب علم بالموقف الروسي استنتاجا، وقام بتحليله وتقييمه ودراسة امكانية الاستفادة منه والترتيب عليه، قبل ان يتم إخباره به رسميا من الجانب الروسي (غالبا خلال لقاء الوزيرين)؛ وإلا فما فائدة الجهاز الديبلوماسي المغربي ورديفه من المديرية العامة للدراسات والمستندات.
يبقى الآن ان نعرف لماذا تردد بوريطة في الإفصاح عن معلومة ان الروس اخبروا المغرب باعتزامهم استخدام الفيتو، قبل ان يقرر اخيرا البوح بها؟ ما الذي دار في خلده لهنيهة. لن نعرف الجواب اليقيني طبعا، ولكن فائدة هذا التمرين تكمن في انه يدفعنا الى اليقظة في فهم وتحليل باقي المعطيات التي ادلى بها الوزير: هل اراد الايحاء بأن الروس كانوا يعرفون مؤدى قرارهم بالاعتراض على المشروع الامريكي، وانه يعني إنهاء مهمة المينورسو، فأرادوا إبلاغ المغرب برضاهم عن تلك النتيجة، دون ان يعبروا عن ذلك صراحة، تاركين للمغرب وحلفائه، ترتيب النتائج التي يرونها مناسبة، بما في ذلك اخراج مساعي التسوية من الأمم المتحدة والعمل عليها في فضاءات ديبلوماسية اخرى.
يتعزز لدي هذا الاحتمال، بتأمل الفحوى الكامل لإفادات الوزير. فالمؤدى العام لتوضيحاته، يظهر لنا ان مشروع القرار الأمريكي كان يعد ويعدل بتشاور وثيق بين المغرب وامريكا. فعندما كان بوريطة يستعمل ضمير المتكلم الجمع، وهو يتحدث عمن كانوا يحللون تبعات الموقف الروسي، فهو، بالتأكيد، لم يكن يشير فقط الى صناع الديبلوماسية المغربية (الملك ومستشاريه والوزير)، وانما كان يشير الى الجانب الأمريكي ايضا.
مؤدى توضيحات بوريطة ان المغرب شارك في اتخاذ قرار حامل القلم بالتمسك بالمسودة الزرقاء بالصيغة التي انتهت اليها، وعدم ادخال اي تعديل عليها، ما دام ذلك، في نهاية المطاف، سيؤدي الى أحد احتمالين، كلاهما سيغير جذريا قواعد التفاوض مستقبلا: اما ان تقرر روسيا الامتناع عن التصويت على المشروع الأمريكي كما كانت تفعل في السابق، وتكون المينورسو بصيغتها القديمة قد انتهت، ويكون خيار الاستفتاء قد تم التخلي عنه تماما، مع بقاء البعثة بمهام تقنية محضة، وإما ان تقرر رفع الفيتو، فيسقط القرار وتختفي المينورسو من المشهد اليومي لمدن وارض الصحراء. ولعل الحالة الثانية افضل بكثير وتوفر وقتا ثمينا كان سيضيع في التمطيط والمناورة.
والواقع ان التصويت الروسي كان له مردود مضاعف: فقد انهى المينورسو، وسمح في الوقت نفسه، بتسجيل عجز مجلس الأمن عن حسم الملف في الاتجاه الراجح. ولذلك يلزم استكشاف طرق اخرى غير الطريق الأممي. وهذه في الواقع هي المنهجية التي سار عليها المغرب منذ عدة سنوات فيما يسمى بديبلوماسية الأطر الثنائية. وهي منهجية ديبلوماسية تحتاج النفس الطويل.






