«والله حتى كنحشم نطلب من الكليان هاد الثمن». هكذا خاطبني بائع خضر أعرفه بسوق العكاري بالرباط، وأنا أقضي أغراض البيت صباح هذا الأحد. لم يكن يحتج على زبون يساومه، وإنما كان يبدي حرجا من إعلان ثمن بضاعته. ولعل من أقسى صور الغلاء أن يعتذر البائع عن السعر قبل أن يحتج عليه المشتري.
مررت ببائعي السمك واللحوم والدجاج، وختمت جولتي بمحطة بنزين. وفي طريق العودة، استعدت ما تابعته من نقاش حول مشروع قانون المالية، ومراجعة الضريبة على الدخل، وتوسيع الدعم الاجتماعي. وبين الأرقام المتداولة في البرلمان والأسعار المعروضة في السوق، ألح علي سؤال: أنحتاج إلى مزيد من الإجراءات بالطريقة نفسها، أم إلى تغيير الطريقة التي نعالج بها المسألة؟
لا ينكر أهمية المجهود المبذول من يعرف إمكانات بلادنا وتعدد التزاماتها. فتخفيف الضريبة يبقي للأسرة نصيبا أكبر من دخلها، والدعم الاجتماعي يعينها على قضاء حاجات ملحة. غير أن تقدير هذا المجهود لا يغنينا عن السؤال عما يبقى من أثره أمام ارتفاع الأسعار. فقد تصل الزيادة بعدما استهلك الغلاء قيمتها، وتجد الأسرة نفسها تنتظر الزيادة المقبلة قبل أن تنتفع فعلا بسابقتها.
هنا أستحضر المنهج الذي طرحه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تناوله ملف الصحراء، بالدعوة إلى الانتقال من التدبير إلى التغيير. ولئن وردت الفكرة في سياق سياسي ودبلوماسي معلوم، فإن ما تنطوي عليه من دعوة إلى مراجعة المقاربة يمكن استلهامه في مجالات أخرى. فحين يستمر المشكل رغم توالي التدخلات، يصبح من اللازم مساءلة الطريقة التي يراد بها حله.
وفي قضية الأسعار والأجور، تقتضي هذه المراجعة النظر في نظام لا يكاد يفعل غير ملاحقة الغلاء: ترتفع الأسعار، وتتآكل المداخيل، وتتصاعد المطالب، ثم تأتي زيادة أو مساعدة، قبل أن تبدأ الدورة من جديد. وقد تخفف كل محطة بعض المعاناة، لكن تكرار الدورة يدعونا إلى إرساء قواعد تضمن استمرار الحماية، بدل العودة إلى التفاوض حول ضرورتها في كل مرة.
فالتدبير ينشغل بحجم الزيادة الممكنة هذه السنة، أما التغيير فيطرح سؤال العلاقة التي ينبغي إقامتها بين الدخل وكلفة المعيشة على امتداد السنوات. وإذا كان التدبير بالطريقة الحالية يستجيب للخسارة بعد وقوعها، فإن تغيير المقاربة يقتضي الحد من تآكل الدخل، وتوزيع أعباء حمايته بإنصاف، حتى تعرف الأسرة ما تنتظره، وتستطيع المقاولة والدولة تقدير التزاماتهما سلفا.
من هنا، يستحق السلم المتحرك للأسعار والأجور أن يعود إلى النقاش العمومي. ففي عهد حكومة عبد الله إبراهيم، التي كان عبد الرحيم بوعبيد أحد أبرز حاملي مشروعها الاقتصادي، صدر ظهير 31 أكتوبر 1959 لتنظيم مراجعة الأجور تبعا لارتفاع كلفة المعيشة. واستحضار هذه التجربة اليوم يعيد إلينا سؤالا قديما بصيغة راهنة: كيف نصون القيمة الحقيقية للأجر بقواعد مستقرة ومعلومة؟
وقد سلكت دول سبلا مختلفة في هذا الشأن. فلوكسمبورغ تربط الأجور والمعاشات بتطور الأسعار على نطاق واسع، وتعتمد بلجيكا أساسا اتفاقيات قطاعية، فيما تأخذ فرنسا بالتضخم في مراجعة الحد الأدنى للأجر. وفي تنوع هذه التجارب ما يتيح للمغرب أن يختار الصيغة الأنسب لبنية اقتصاده، وقدرة مقاولاته، وحاجات أسره.
على أن تغيير المقاربة لا يتحقق بمجرد إقرار زيادة آلية. فلا بد من مؤشر يعكس نفقات الأسر، وأولوية للمداخيل الضعيفة، ومواعيد معلومة للمراجعة، وحماية لغير الأجراء تساير كلفة العيش. ولا بد، في الوقت نفسه، من معالجة اختلالات الإنتاج والتوزيع والمنافسة، حتى لا تلتهم موجة جديدة من الغلاء ما أضيف إلى المداخيل. فصيانة القدرة الشرائية تقتضي العناية بالدخل وبأحوال السوق معا.
لقد آن الأوان لاعتماد الانتقال من التدبير إلى التغيير منهجا للعمل في هذا المجال، ولقياس نجاح السياسة بما تتيحه للناس من عيش كريم، وبما يبقى للزيادة من قيمة حين تبلغ السوق.
وبين ما يقال وما لا يقال… كان بائع العكاري، وهو يعتذر عن الثمن، يضعنا أمام سؤال أكبر من سعر الخضر: إلى متى نستمر في تدبير النتائج، قبل أن نغير القواعد؟






