رأي

خالد الصمدي: وما هو بالهزل

في زحمة الأحداث المقيتة الرهيبة التي كان مسرحها كنيسة مسيحية بمدينة الكرك بالأردن الشقيق خلال هذه الايام والتي أدانها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في رسالة بعث بها الى نظيره الأردني الملك عبد الله تعزية وتضامنا ، ومن خلاله إلى الشعب الاردني الشقيق حماه الله ،

 شحذ قوم هناك ألسنة حدادا وأشاروا بالحجارة ( وليس بالبنان ) إلى مناهج التعليم بصفة عامة ومادة التربية الإسلامية على وجه الخصوص واعتبروها مشتل الفكر المتطرف وحاضنته ، ولبسوا جبة الناصح الأمين فدعوا الى حذف هذه المادة ، في سياق مشروع معروف يركب على مثل هذه الأحداث الأليمة ليدفع بمشروع علمنة المدرسة وفصل المتعلمين عن عمقهم الديني والحضاري لخدمة أهداف معلومة ،

وهي اللغة نفسها التي سادت أجواء المملكة المغربية غداة أحداث 16 ماي الإرهابية المقيتة ، حيث طفحت الصحف وخاصة الفرنكفونية منها باتهام مادة التربية الإسلامية والتعليم الأصيل ومدارس التعليم العتيق الراسخة جذورها في تاريخ المملكة الديني والحضاري منذ قرون والتي أطرت الحركة الوطنية في مواجهة الاستعمار ولا زالت تواجه آثاره إلى اليوم ، فدعت إلى محاصرتها في أفق حذفها لتخليص المدرسة المغربية مما سمته ب( محاضن ومشاتل الفكر المتطرف ) 

تعاملت المملكة مع هذه الدعوات المغرضة بحكمة وتبصر في وعي كامل بأبعاد هذه الدعوات الغريبة ، فاختارت أن تنصت إلى خبراء مختصين في المناهج التعليمية فكلفتهم بتقييم مناهج مادة التربية الإسلامية والتعليم الأصيل وفق أسس ومعايير علمية موضوعية ، مع صياغة خلاصات وتوصيات نظرية وتطبيقية عملية يستند إليها في هذا المجال على وجه التحديد ، فبنت بذلك سياسة حكيمة للتعامل مع المناهج التعليمية لمادة التربية الإسلامية بصفة خاصة والتعليم الديني بصفة عامة وأدرجت ذلك في إطار مشروع وطني كبير لإعادة هيكلة الحقل الديني ،  

وقد أطر هذا المشروع الوطني التوجيه السامي الوارد في الرسالة الملكية بمناسبة تنصيب المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية يوم 30 أبريل 2004 بالقصر الملكي العامر بالدارالبيضاء والذي رسخ مكانة مادة التربية الإسلامية في المدرسة المغربية وثبت حتى اسمها على عكس ما كان يتمنى المغرضون ، حيث قال جلالته " وعلما منا بأن الوظائف التأطيرية المنوطة بهذه الهيئات، ستظل صورية، ما لم تقم على الركن الثالث الأساس، المتمثل في التربية الإسلامية السليمة، والتكوين العلمي العصري، فإننا، مواصلة للجهود الرائدة التي بذلها والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه، نصدر تعليماتنا لحكومتنا، قصد اتخاذ التدابير اللازمة، بأناة وتبصر، لعقلنة وتحديث وتوحيد التربية الإسلامية، والتكوين المتين في العلوم الإسلامية كلها، في نطاق مدرسة وطنية موحدة" .

وفي هذا السياق انطلقت سياسة تعليمية مندمجة ومتعددة الأبعاد تمثلت فيما يلي :

- صدور الظهير الشريف المتعلق بإعادة هيكلة التعليم العتيق من خلال إحداث مؤسسات نظامية للتعليم العتيق وربطه بالمنظومة التربوية المغربية ومخرجاتها مع مواكبة التعليم العتيق الذي يعتمد النمط التقليدي بالإرشاد والتوجيه والإسناد، 

- الانفتاح على المجال الإعلامي من خلال إطلاق قناة السادسة ، وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، ومواقع هنا الالكترونية 

- إطلاق منصة محمد السادس الحديث الشريف وجائزة خاصة بهذا المجال ،  

- تكليف لجنة من المجلس العلمي الأعلى وخبراء المناهج التعليمية بتجديد وتطوير مناهج التربية الإسلامية والتعليم العتيق والتعليم الأصيل وترسيخ مكانتها في المنظومة التربوية المغربية بناء على توجيهات مباشرة من جلالة الملك في الموضوع 

- إعادة هيكلة جامعة القرويين ومؤسساتها العلمية الجامعية بما فيها دار الحديث الحسنية مع إحداث مؤسسات جامعية أخرى لتعزيز التكوين والبحث العلمي في هذا المجال 

- تم ترسيخ مقومات الهوية والانتماء المؤطرة المنظومة التربوية بما فيها التعليم الاصيل والعتيق ، في القانون الإطار 17-51 

وبهذه السياسة الحكيمة في مجال التعليم قطعت المملكة الطريق على كل متربص بمنظومتها التربوية وموقع التربية الإسلامية فيها ، 

مما خلق يأسا في صفوف الاستئصاليين المغرضين ، فصمتوا دهرا ثم أرادوا إحياء هذا اللغط من جديد من خلال سياسة جس النبض بين الفينة والأخرى بالتقليل من شأن هذه المادة الدراسية والاستهزاء بمضامينها والتهوين من قدرها في صفوف الرأي العام بعامة والمعلمين بصفة خاصة في ( حلقات إعلامية ) وتدوينات في الفضاء الازرق ، عوض الدعوة إلى تعزيزها وتقوية حضورها في عالم يعاني من التحديات والاهتزازات التي تصيب الهويات ومنظومات القيم الجامعة ، 

وتأتي هذه الخرجات المربية في سياق مغربي متحرك يتميز بإطلاق ورش تجديد وملاءمة البرامج والمناهج ، وفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة ، وفي سياق ضغوطات تمارس على المملكة تساومها على وحدتها التربوية بإثارة النعرات العرقية واللغوية والطائفية لإضعافها من الداخل ، وهو توجه متكامل الأركان عن سبق إصرار وترصد توظف فيه حتى عاطفة بعض الغيورين شعروا بذلك أم لم يشعروا فصاروا في هذا الموضوع الحساس نارا وقودها الناس والإثارة ،

إن مجال تقويم وتوجيه المناهج التعليمية أمر مطلوب ومرغوب والشرط في ذلك أن ينبري إليه الخبراء المتخصصون مسلحين بأدواته وعدته العلمية والمنهجية ، وأن يظل بعيدا عن لغة التبخيس والاستهزاء وكيد الكائدبن ،

 إن الأمر يحتاج الى القول الفصل، فما هو هو بالهزل، 

 وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.