يبدو أن بعض المسؤولين عندنا لا تكفيهم متاعب السياسة، ولا تثقلهم ملفات القطاعات التي يشرفون عليها، فيجدون متسعا من الوقت لاستعراض خفة لغوية لا تخفف شيئا من أعباء المواطنين، بل تضيف إلى النقاش العمومي ما لم يكن يحتاج إليه من إحراج. وهذا ما حدث مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين المداوي، حين استعمل عبارة «Mariage mongolien» خلال حديثه في البرلمان عن إحداث جامعة بجهة درعة تافيلالت.
قد يعتقد الوزير أن العبارة مجرد تعبير عابر، أو أن وقعها المثير يمنح كلامه نكهة خاصة، لكن المشكلة أن الكلمات ليست ملكا خالصا لمن ينطق بها، وأن بعض المصطلحات تحمل تاريخا من الوصم والإهانة، حتى حين يتعامل معها مستعملها بخفة لا تتناسب مع ثقلها الإنساني.
فحين تُستدعى كلمة «mongolien» في سياق يحيل إلى الأشخاص ذوي متلازمة داون، فنحن لا نتحدث عن مفردة بريئة، بل عن مصطلح ارتبط تاريخيا بتوصيف طبي متجاوز، ثم صار محملا بدلالات مهينة حين استُعمل لاختزال الأشخاص في اختلافهم الكروموسومي. لقد تجاوز الطب هذا الاستعمال، واستقر على تسمية «متلازمة داون»، لأن الإنسان ليس تشخيصا، ولأن اللغة الطبية ليست قاموسا للتنابز أو مادة جاهزة للتندر.
وإذا كان المقصود من عبارة الوزير هو السخرية أو التشبيه بأشخاص ذوي ثلاثية الصبغية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس معقدا: ما الذي يجعل وزيرا مسؤولا عن التعليم العالي يعتقد أن هذا النوع من التعبير صالح للتداول في مؤسسة تشريعية؟ وأي قيمة يضيفها إلى نقاش حول الجامعة، حين يصبح اختلاف أشخاص في تكوينهم الكروموسومي جزءا من معجم السخرية السياسية؟
ليس الأشخاص ذوو متلازمة داون هم المشكلة، بل النظرة التي تجعل منهم مادة للتشبيه المهين.
هؤلاء مواطنون لهم كرامتهم وحقوقهم، ولهم أسر تحملت، في حالات كثيرة، أعباء اجتماعية وصحية وتربوية مضاعفة، في مجتمع لا يزال بعض أفراده يخلطون بين الاختلاف والإهانة، وبين التوعية والتنميط. وهم لا يحتاجون إلى شفقة مجانية من السياسيين، بل إلى سياسات عمومية تضمن التعليم والإدماج والرعاية الصحية وتكافؤ الفرص، وإلى خطاب لا يعيد إنتاج الصور النمطية التي تحاصرهم.
والمفارقة أن العبارة صدرت عن مسؤول يتولى قطاعا يفترض أن يكون في طليعة القطاعات التي تحارب الجهل وتفكك الأحكام المسبقة. فالجامعة ليست مجرد مدرجات ومختبرات وشهادات، بل هي أيضا فضاء لتكوين العقل النقدي، وتحرير الإنسان من التصورات المتخلفة، وتعليمه أن احترام الاختلاف ليس مجاملة اجتماعية، بل شرط من شروط المواطنة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يواجه الوزير يتجاوز قاموسه الشخصي. إنه يتعلق بالمسافة بين الخطاب الذي ننتظره من مسؤول يشرف على المعرفة، والخطاب الذي قد ينزلق إليه حين يعتقد أن العبارة الصادمة تعفيه من بناء الحجة. فالسخرية السياسية مشروعة، والنقد اللاذع مطلوب أحيانا، لكن السخرية من أصحاب الإعاقة ليست شجاعة لغوية، ولا دليلا على الذكاء، ولا بديلا عن الحجة. إنها، في أحسن الأحوال، اختيار سيئ للكلمات، وفي أسوئها إعادة تدوير لوصم اجتماعي يدفع ثمنه أناس لا علاقة لهم بالخلاف السياسي الدائر.
ليس المطلوب أن تتحول الحياة العامة إلى فضاء خال من الدعابة...
نكت مع راسك...
شرط ألا تجعل من ذوي الهمم موضوعا للمجاز الحامض...
عليك أن تخضع كل تعبير لمحاكمة لغوية....
والمطلوب منك فقط أن تعرف الفرق بين السخرية من قرار سياسي والسخرية من فئة بشرية، بين تفكيك حجة خصم وبين استدعاء اختلاف إنساني لتوليد الضحك أو الإحراج. هناك فرق شاسع بين أن تضحك من السلطة، وأن تجعل الضعفاء اجتماعيا مادة لضحك السلطة.
أما الجامعة التي كان الحديث يدور حولها، فلها من الأسئلة ما يكفي لإشغال الوزير: كيف ستوفر الدولة شروط التكوين الجيد؟ كيف ستواجه الاكتظاظ؟ كيف ستضمن تكافؤ الفرص بين أبناء الجهات؟ وكيف ستتحول الوعود المتعلقة بتوسيع العرض الجامعي إلى مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة وتوفير شروط النجاح؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق طاقة الوزير، لا العبارات التي تجعل النقاش ينصرف من مستقبل الطلبة إلى كرامة أشخاص غائبين عن الجلسة، لكنهم حاضرون في مسؤولية الدولة عن حمايتهم من التمييز.
ولا يحتاج الأمر إلى اختراع عصا سحرية لإصلاح الجامعة، ولا إلى معجم فلسفي معقد لتجنب الإهانة. يكفي أن يتذكر المسؤول أن موقعه يضاعف مسؤوليته، وأن الكلام الذي يصدر عنه لا يبقى محصورا في لحظة عابرة، بل يدخل المجال العام، حيث يسمعه الطلبة والأسر والأشخاص المعنيون، ويقيسون من خلاله مقدار احترام المؤسسات لهم.
إن الاعتذار، استعمال هذا التعبير المهين والذي يسيء لفئة من ذوي الحاجيات الخاصة...يحمل معنى قاس وإقصائي، لا ينتقص من هيبة الوزير، بل يتيح له تصحيح الخطأ وإعادة النقاش إلى مساره. أما التعامل مع مثل هذه العبارات باعتبارها مجرد تفاصيل لغوية، فيعني تجاهل الأثر الذي قد تتركه في نفوس من عاشوا طويلا تحت وطأة التنمر والوصم.
الوزير... الذي بوأ نفسه الحق في انتقاء الأسئلة التي توجه إليه، بحجج واهية...
عذرا...
الجامعة التي نريدها لا تكتفي بتعليم الناس كيف يقرؤون الكتب، بل تعلمهم أيضا كيف يرون الإنسان. ومن يتولى مسؤولية التعليم العالي مطالب بأن يجسد هذه القيمة في خطابه قبل أن يطالب الآخرين بتبنيها.
فالإصلاح لا يبدأ دائما من قانون جديد أو ميزانية إضافية. أحيانا يبدأ من كلمة يتوقف صاحبها قبل نطقها، ويسأل نفسه: هل تخدم المعنى الذي أريد إيصاله، أم تجعل إنسانا آخر يدفع ثمن نكتة لم يختر أن يكون موضوعها؟
وهنا تحديدا، لا يتعلق الأمر بحساسية مفرطة تجاه الكلمات، بل بحد أدنى من المسؤولية الإنسانية. فالوزير يستطيع أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يسخر من السياسات والقرارات، بل وأن يكون قاسيا في محاسبة خصومه. لكنه لا يحتاج، كي يفعل ذلك، إلى استحضار أشخاص ذوي إعاقة في عبارة تضع كرامتهم على هامش المزاح.
فالجامعة قد تنتظر سنوات كي تُبنى، أما احترام الإنسان فلا يحتاج إلى رخصة بناء.






